اختصاصات الوالي في التشريع العُماني: من الإدارة التقليدية إلى الإدارة المحلية (1-2)

 

 

 

 

د. أحمد بن محمد الهنائي **

ahmed120.law@gmail.com

 

شهد الدور الإداري للوالي في سلطنة عُمان تطورًا متناميًا ومتدرجًا ارتبط بتطور البناء المؤسسي للدولة واتساع متطلبات التنمية المحلية. ولم يعد هذا الدور يقرأ في حدود وظيفته التقليدية المتصلة بإدارة الشأن العام المحلي والتواصل المجتمعي فقط، بل في إطار مؤسسي أرحب يجمع بين المحافظة على النظام العام، ورصد احتياجات الولاية، ومتابعة مستوى الخدمات، والمشاركة في دعم الأولويات التنموية.

وبصدور المرسوم السلطاني رقم (36/2022) بإصدار نظام المحافظات، اكتسبت العلاقة بين المحافظة والولاية إطارًا تنظيميًا أكثر وضوحًا. فالمحافظة وحدة من وحدات الجهاز الإداري للدولة ذات طبيعة محلية، تمارس داخلها اختصاصات متعددة تتكامل فيها أدوار المحافظ والوالي والبلدية وفروع الوحدات الحكومية في المحافظة. ومن ثم، فإنَّ تحليل اختصاصات الوالي يقتضي التمييز بين ما قررته النصوص القانونية من صلاحيات، وما يترتب عليه من آثار مؤسسية في الواقع الإداري.

أولاً: الإطار القانوني لاختصاصات الوالي:

أبانت المادة (13) من نظام المحافظات أن اختصاصات الوالي لا تقوم على طبيعة واحدة، وإنما تجمع بين أبعاد مُجتمعية وتنظيمية ورقابية وتنموية. ولئن كان ذلك إلا أنَّ هذا التنوع لا يوسع من اختصاصات الوالي على حساب اختصاصات الجهات الأخرى، بل يُحدد موقعه بوصفه حلقة اتصال محلية تدون الاحتياجات والملاحظات، وتتابع الأداء، وتُحيل ما يلزم إلى الجهة المختصة داخل المحافظة. ومن أبرز تلك الاختصاصات، هي:

اختصاصات الوالي في حفظ النظام العام وتعزيز التواصل المجتمعي

أَسند النظام إلى الوالي المحافظة على النظام العام، ومتابعة شؤون القبائل، والالتقاء بالشيوخ والرشداء والمواطنين للوقوف على آرائهم ومتطلبات الولاية، والإشراف على تطبيق السنن والأعراف السائدة والمتبعة في المجتمع. وتكشف هذه الاختصاصات عن صلة مؤسسية مباشرة بين الإدارة والمجتمع المحلي، تتيح للوالي استيعاب الوقائع الاجتماعية، والاحتياجات اليومية، والمساهمة في الحافظ على الاستقرار والتماسك المجتمعي في نطاق الولاية.

الاختصاصات التنظيمية والتنسيقية على مستوى الولاية

يُمارس الوالي دورًا تنظيميًا في الإشراف على العملية الانتخابية لأعضاء كل من مجلس الشورى والمجلس البلدي، والإشراف على سير عمل لجنة التوفيق والمصالحة، وترؤس اللجان المحلية في الولاية. وتؤكد هذه الاختصاصات أن دوره لا ينحصر في التواصل المجتمعي، بل يمتد إلى تنسيق أعمال محلية تدخل في اختصاصات جهات حكومية أخرى. وبالرغم من ذلك يظل هذا الدور مقيدًا بحدود الاختصاص المُقرر قانونًا، ولا ينشئ للوالي سلطة أصيلة على الجهات التي تمارس اختصاصاتها بموجب القوانين والأنظمة الخاصة بها.

المتابعة الإدارية ورفع التقارير إلى المحافظ

خوَّل النظام قيام الوالي بمتابعة أداء فرع البلدية وفروع وتقسيمات الوحدات الحكومية في نطاق الولاية، ورفع تقارير بشأنها إلى المحافظ. والمقصود بذلك متابعة مستوى أداء الخدمات المرفقية، والوقوف على الملاحظات والاحتياجات المحلية، لا ممارسة الإشراف الرئاسي المباشر أو الحلول محل الجهة المختصة، وغاية ذلك أن المتابعة هنا أداة لرصد الواقع المحلي والإسناد بالمعلومات الدقيقة، بينما تبقى المسؤولية التنفيذية والاختصاصات الأصيلة قائمة للجهة المختصة قانونًا.

دور الوالي في دعم التنمية المحلية والأولويات الاقتصادية والاجتماعية

تشمل اختصاصات الوالي العمل على إيجاد فرص عمل للمواطنين في الولاية بالتنسيق مع الجهات المختصة، والمشاركة في إعداد مشروعات خطط التنمية ومتابعة تنفيذها، وإبداء المقترحات في كل ما يعزز الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ورفعها إلى المحافظ، وهي اختصاصات تكشف عن انتقال وظيفي مهم: من الاكتفاء بإدارة الشأن المحلي المباشر إلى المساهمة في تحديد الأولويات التنموية ورصد نتائجها. غير أن ذلك يظل قائمًا على التنسيق والمشاركة والمتابعة، دون أن يمتد إلى اعتماد الخطط أو تنفيذها بصورة مستقلة.

ثانيًا: المركز القانوني للوالي في التنظيم الإداري العُماني

يرتبط هذا المركز بعدة مساقات، يمكن إجمالها على النحو الآتي:

موقع الوالي في البنية المؤسسية للمحافظة

يرتكز المركز القانوني للوالي في ضوء الطبيعة المحلية للمحافظة، وفي انتقال مخصصات وأصول وحقوق والتزامات وموجودات مكاتب الولاة من وزارة الداخلية إلى المحافظات، ونقل الموظفين العاملين فيها إليها وفق التنظيم الوارد في نظام المحافظات، ويعكس ذلك إدماج مكتب الوالي في البنية المؤسسية للمحافظة من حيث الموارد والوظائف الإدارية، بما يعزز من اتصال أدائه اليومي بمسار العمل المحلي داخل المحافظة.

العلاقة الوظيفية للوالي بوزير الداخلية

نصَّ نظام المحافظات على أن يكون لكل ولاية والٍ، يصدر بتعيينه وتحديد درجته ومخصصاته المالية ونقله وإعفائه من وظيفته وكافة شؤونه الوظيفية قرار من وزير الداخلية. وتحدد هذه القاعدة الإطار الوظيفي للوالي، وتبين أنَّ شؤونه الوظيفية ترتبط بوزير الداخلية على النحو الوارد في النظام.

الإشراف الإداري للمحافظ على أعمال الولاة

يباشر المحافظ الإشراف المباشر على الولاة، ومتابعة عملهم اليومي، وتقييم مستوى أدائهم، ورفع تقارير دورية بشأنهم إلى وزير الداخلية. وبذلك يقوم المركز القانوني للوالي على التكامل والتقاطع بين جانب وظيفي يختص بالتعيين والشؤون الوظيفية، وجانب إداري يختص بأداء العمل داخل المحافظة. ومن ثم لا يمكن القول إنَّ هناك ثمة تعارض بين هذه الوظائف، لأنَّ كل علاقة نطاق ومسار وظيفي محدد ومنظم قانونًا.

** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z