بوصلة

 

 

د. صالح الفهدي

ليس أصعب على الإنسان من أن يمضي في طريق طويل، وهو لا يعرف إلى أين يتجه، فقد يمتلك القدرة، وتتوفر له الفرص، ويكون الطريق مفتوحًا أمامه، لكنه يظل حائرًا إذا فقد البوصلة التي تدلُّه على الاتجاه.

ولعل الشباب أكثر الفئات حاجة إلى هذه البوصلة؛ لأن مرحلة الشباب هي مرحلة تشكُّل الطموح، وبناء الشخصية، واكتشاف الذات، واتخاذ القرارات التي قد ترسم ملامح سنوات طويلة من العمر. والشاب لا يحتاج فقط إلى من يقول له: «اجتهد»، وإنما يحتاج إلى من يساعده على أن يعرف في ماذا يجتهد؟ ولماذا؟ وإلى أين يريد أن يصل؟ وبأي قيم يريد أن يصل؟ فقد يسير الإنسان بسرعة كبيرة، وعزيمةٍ أكيدةٍ، لكنه قد يكون يسير في الاتجاه الخطأ، وعندها لا تكون المشكلة في سرعته، وإنما في غياب بوصلته.

وقد أعجبني في هذا السياق برنامج عملي يحمل اسم "بوصلة" من منطلق دعوتي الدائمة إلى تبنِّي برامج عمليَّة للتوجيه القِيمي لترسيخ القيم والمفاهيم؛ إذ شارك فيه أحد أبنائي بصفة «موجِّه» في مدينة ليفربول البريطانية، كما شارك الابن الثاني موجها للشباب في مسقط. وأحسب أنَّ أجمل ما في مثل هذه البرامج أنها لا تكتفي بتقديم المعرفة للشباب، وإنما تضعهم في مواجهة مباشرة مع أصحاب التجارب والخبرات، فيستمعون إلى قصص النجاح، ويتعرَّفون على محطات ومراحل مختلفة، ويكتشفون أن الطريق الذي يبدو مستقيمًا في نهايته، كان في بدايته مليئا بالمنعطفات والتَّحديات.

وقد يكون من أعظم ما يقدَّم للإنسان في مقتبل عمره أن يلتقي بشخص سبقه في الطريق، فيقول له: هنا أخطأت، وهنا نجحت، وهنا صبرت، وهنا كان ينبغي أن أتوقف، وهنا كان عليَّ أن أواصل؛ فالتجربة الإنسانية رأس مال لا ينبغي أن يضيع بمجرد رحيل أصحابها.

ولقد روى لي الوزير السابق الشيخ أحمد بن سويدان البلوشي، الذي تمت استضافته في فعاليات برنامج «بوصلة»، عن مشاركته في البرنامج الذي شارك فيه خمسة وعشرون شابا وشابة، فقال: إن أحد الشباب جاءه ليسأله عن بداية مسيرته، فقال له: قبل أن تلقي عليَّ أسئلتك، سأعطيك ركائز وأعمدة تقوم عليها حياتك، وأوَّل هذه الأعمدة: الإيمان التام بالله سبحانه وتعالى والثقة به، ثم الأمانة، ثم الإخلاص في العمل أينما كنت، ثم الصدق، وأن تتحلَّى بالعزيمة والثقة بالنفس وعدم الاستسلام أمام العقبات والتحديات.

استوقفتني هذه الأعمدة الرئيسة في البنيان الإنسان، لأنها تبدأ من حيث ينبغي أن تبدأ رحلة الإنسان: من الداخل قبل الخارج.

فكثيرون يسألون الشباب: ما هو تخصصك؟ وماذا تريد أن تصبح؟ وما الوظيفة التي تريدها؟ وكم تريد أن تكسب؟ وأين تريد أن تعمل؟ لكن السؤال الأسبق من ذلك كله هو: من تريد أن تكون؟ وبأي قيم يمكنُ أن تبني النجاح الحقيقي في الحياة.

المهنة يمكن أن تتغير، والوظيفة يمكن أن تتغير، ومكان العمل يمكن أن يتغير، وحتى الأهداف قد يعاد ترتيبها، لكن القيم التي يقوم عليها الإنسان هي التي تمنحه ثباته عندما تتغير الظروف. ومن هنا فإن البوصلة الحقيقية ليست مجرد خطة للوصول إلى المستقبل، وإنما هي منظومة قيم تمنع الإنسان من أن يضل طريقه وهو يسعى إلى المستقبل.

ليس الطموح وحده كافيا؛ فكم من إنسان امتلك حلمًا ولم يمتلك العزيمة التي توصله إليه، وكم من شخص كانت قدراته محدودة، لكنه امتلك من الإصرار ما جعله يتجاوز من كانوا أكثر منه قدرة واستعدادا. ولذلك قال المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ

وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

فالطريق إلى الإنجاز لا يخلو من العقبات، والشاب الذي ينتظر طريقًا بلا عوائق سيظل مكانه لن يخطو خطوةً واحدة. وقد عبر أبو القاسم الشابي عن هذه الحقيقة بقوله:

ومن يتهيَّب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

إن المشكلة ليست دائمًا في صعوبة الجبل، وإنما في خوف الإنسان من صعوده. وقد يحتاج الشاب في بعض مراحل حياته إلى شخص يقول له: اصعد، عندما يرى في نفسه أسبابا كثيرة تقول له: لا تستطيع.

وهنا يأتي دور الموجه والقدوة.

إن مشاركة أصحاب الخبرات والتجارب في الحياة، وما حققوه من أهداف ونجاحات، وما اكتسبوه من قدرات ومهارات، أمر مهم في الإسهام في بناء شخصيات الشباب، خاصة في هذا الوقت الذي تتعدد فيه مصادر المعرفة، وتتزاحم فيه الأصوات، وتختلط فيه القدوة الحقيقية بالقدوة المصنوعة.

فالشباب اليوم يستطيعون الوصول إلى ملايين المعلومات خلال دقائق، لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وضوح الطريق. وقد يعرف الشاب كيف يفعل الشيء، لكنه لا يعرف لماذا يفعله، ولا يعرف هل هو الشيء الذي ينبغي أن يفعله أصلا. وهنا تظهر قيمة الإنسان الخبير؛ لأنه لا يقدم للشاب المعلومات فقط، وإنما يمنحه سياقا لفهمها.

أُحيِّ القائمين على برنامج "بوصلة" وأدعوهم إلى الاستمرار، وأقولُ بأنَّ هذه البرنامج العملية ومنها برنامج "الانضباط العسكري لطلبة المدارس" الذي قدَّمتُ فيه محاضرةً عن الهوية الوطنية مؤخراً، ستسهم بلا شك في بناء شخصيات وازنة، ومتعقلة للشباب وتمكِّنهم من توسِّم الاتجاه المناسب في حياتهم. 

 

الأكثر قراءة

z