مصير جنوب إفريقيا ومصير فلسطين

 

 

د. عبدالله الأشعل**

يبدو أن المراقبين الفلسطينين يؤكدون أن مصير فلسطين كمصير جنوب إفريقيا، من حيث إن جنوب إفريقيا تحررت من حكم البيض بسبب تغير البيئة الدولية وبسبب نضال الشعب فى جنوب إفريقيا ولكنى أرى فوارق كثيرة بين مصير جنوب إفريقيا ومصير فلسطين.

 الفرق الأول أن جنوب إفريقيا احتلها البيض فى إطار حركة الاستعمار منذ 300 عاماً وفرضوا على أصحاب الأرض أبغض صور العنصرية وهي الأبارتيد، أما الصهاينة فكانوا ثمرة لخطة دولية لاحتلال فلسطين .

الفرق الثانى أن البيض رغم أنهم استعمروا جنوب إفريقيا مدة طويلة لم يدعوا ملكيتهم للأرض وإنما رحلوا فى ظروف دولية معينة.

الفرق الثالث أن المشروع الصهيونى يختلف اختلافا مطلقا عن حركة الاستعمار، ذلك أن المشروع الصهيونى يقوم على الفكرة الصهيونية هذه الفكرة توجب إبادة السكان والحصول على أرضهم كما فعلت أمريكا فى القرون الوسطى، ولذلك فإنَّ المشروع الصهيونى كما قلنا يختلف عن حركة الاستعمار.

وقد مرَّ على المنطقة هجمات كثيرة وصراعات متنوعة ولكن الصهيونية تختلف تماما عنهم، فجاء التتار ورحلوا وجاء الصليبيون بموجات مختلفة ورحلوا، أما الصهيونية فإنها تهدف إلى البقاء فى المنطقة والتوحش فى افتراسها فيمكن أن نطلق على الصهاينة لصوص الأوطان، كما أن خصائص الحركة الصهيونية تختلف عن خصائص الاستعمار فالاستعمار قامت به الدول أما الحركة الصهيونية فقامت بها عصابات صهيونية، وهناك فرق كبير بين عقلية العصابة وعقلية الدولة.

الفرق الرابع أن أمريكا ومن قبلها بريطانيا قامت برعاية الحركة الصهيونية ولا تزال أمريكا حتى الآن تساهم جنباً إلى جنب فى أعمال الإبادة دون أدنى اكتراث لقواعد القانون الدولي، فسلوك المستعمر ينسجم مع التسمية وهو الإعمار.

أما الحركة الصهيونية فتهدف إلى القضاء على الحجر والشجر، ثم أن الاستعمار الغربى متصل بالحركة الصهيونية فإسرائيل وكيل حصري للغرب وهي آخر موجات الاستعمار الغربي، ولذلك جمعت الحركة الصهيونية بين سوءات الصهيونية وسوءات الاستعمار، واستماتت أمريكا في الدفاع عن إسرائيل خاصة بعد طوفان الأقصى وقدمت تفسيراً جديداً للعلاقة بين إسرائيل وأمريكا، فقد كان التفسير الأول الذي انتشر حتى وقت قريب هو أن إسرائيل اليد الباطشة لأمريكا ولكن أتضح خاصة بعد العدوان على إيران أن إسرائيل تملي على أمريكا ما تشاء وتتحكم في مفاصل الدولة الأمريكية وتدرك إيران ذلك كما تدرك روسيا والصين هذه الحقيقة.

الفرق الخامس أن الاستعمار نفسه وضع قواعد القانون الدولي، والصهيونية انتهكت هذه القواعد بحرية وهذا دليل على الفارق بين استعمار الدول وهمجية الجماعات الصهيونية.

الفرق السادس أن إفريقيا والدول العربية جميعا وقفت إلى جانب أصحاب الأرض في جنوب إفريقيا والأمم المتحدة شجعتهم على ذلك، أما فى حالة الصهيونية فقد انحازت لها الأمم المتحدة بكافة أجهزتها وتولت أمريكا إخضاع الدول العربية لصالح إسرائيل، وهذا يفسر أن جنوب إفريقيا هى الدولة الوحيدة التى رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية ولم تجرؤ دوله عربية أو إسلامية على الانضمام معها حتى مصر أعلنت ذات يوم أنها ستنضم إلى جنوب إفريقيا ولكن يبدو أن الضغط الأمريكي الإسرائيلي أوقف الخطوة المصرية المعلنة.

الفرق السابع أن العنصرية تختلف عن الإبادة الكاملة، ففى عام 1975 اعتبرت الأمم المتحدة أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية وتنطبق عليها اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالعنصرية المبرمة عام 1973 ولكن العنصرية فى الحركة الصهيونية تعكس مرحلة أخف ما قبل الإبادة رغم أن العنصرية صورة من صور الإبادة.

 وهكذا تعاملت إسرائيل مع الشعب الفلسطينى على مرحلتين الأولى مرحلة العنصرية والثانية مرحلة الإبادة وهي مرحلة أخيرة تنذر بقيام إسرائيل الكبرى، ومالم يدافع الحكام العرب عن أوطانهم فإن إسرائيل الكبرى سوف تستولي على أوطانهم ويكون حظ الحكام العرب الاحتفاظ بكراسي الحكم في بلد عربي يخضع للحركة الصهيونية.

وفي إطار الحركة الصهيونية ينعم الحكام العرب بكراسي الحكم الفاسدة وتتستر الحركة الصهيونية على الفساد.

والخلاصة أن مصير فلسطين ليس كمصير جنوب إفريقيا فتتحرر فلسطين بزوال إسرائيل وهذه الظاهرة أي زوال إسرائيل ظهرت علاماته وعوامله.

إذا كانت إسرائيل هي صورة أمريكا الصهيونية المعادية للجنس البشري فإن إسرائيل تزول بعاملين: العامل الأول رحيل القوة الأمريكية عن المنطقة وتراجعها عموماً وهذا حدث جزئياً من خلال الصراع بين إيران وأمريكا.

والعامل الثانى هو تراجع النفوذ الصهيوني على القرار الأمريكي وهذا قد تم بشكل كبير. وسوف تتضح معالمه الكاملة عندما يخسر الحزب الجمهوري مقاعده في الكونجرس من خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمر القادم.  

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

 

الأكثر قراءة

z