محمد أنور البلوشي**
دائمًا أسأل نفسي: "من أنا؟" كلما أنزل إلى وادي فنجاء.. سؤال يبدو بسيطًا، لكنه كلما اقترب من الذاكرة أصبح أكثر صعوبة.. فمن نحنُ في الحقيقة؟ هل نحن الأسماء التي نحملها، أم الأماكن التي عبرناها، أم تلك الذكريات الصغيرة التي بقيت فينا رغم أنَّ سنوات طويلة مرت عليها؟
يا ليت كانت لدي كلمات تكفي لأصف عُمان، فبعض الجمال لا يحتاج إلى وصف، لأنه أكبر من اللغة. في عُمان جبال تبدو وكأنها تحفظ أسرار القرون، ووديان تحمل في صمتها حكايات الذين مروا بها، وقرى قديمة تشعرك بأنَّ الزمن لم يمر عليها، وإنما جلس قليلًا عند أبوابها ثم أكمل طريقه، ومن بين تلك الأمكنة يأتي وادي فنجاء، لا بوصفه مكانًا فقط، بل صفحة من الذاكرة لا تزال مفتوحة.
وهل عشت في فنجاء؟ نعم، عشت هناك. وربما لم أكن أعرف في طفولتي أنني كنت أجمع الذكريات التي سأحتاج إليها عندما أكبر. ما زلت أتذكر مدرسة خليل بن عبدالله وأنا في الصف الثاني الابتدائي، وأتذكر ذلك المسجد القريب من الوادي في حارة السعادي، حين كنت أذهب بعد صلاة العصر لأتعلم القرآن الكريم. كنت طفلًا لا يعرف شيئًا عن فلسفة الزمن، ولم أكن أعرف أن العصر سيصبح ماضيًا، وأن المدرسة ستتحول إلى ذاكرة، وأن الطريق الذي كنت أمشي فيه بصورة عادية سيصبح بعد سنوات طريقًا أبحث فيه عن نفسي.
فالطفولة لا تموت، لكنها تختبئ. تختبئ في رائحة مكان، وفي جدار قديم، وفي صوت مؤذن، وفي طريق ترابي، وفي أغنية نسمعها مصادفة بعد عشرات السنين، فتفتح في داخلنا بابًا كنا نظن أنه أُغلق إلى الأبد. ولهذا، كلما أنزل اليوم إلى وادي فنجاء، أشعر أنني لا أنزل إلى الوادي، وإنما أنزل إلى أعماق الذاكرة. أنظر إلى الجبال وأسألها بصمت: هل ما زلتِ تتذكرين ذلك الطفل؟ وأنظر إلى الوادي وأتساءل كم إنسانًا مر من هنا، وكم عاشقًا، وكم مسافرًا، وكم طفلًا كبر ثم عاد يبحث بين الحجارة عن سنواته الأولى.
قبل أسبوع أو أكثر، نزلت مرة أخرى إلى الوادي، وكنت أستمع إلى أغنية بلوشية من كلمات الشاعر الكبير سيد ظهور شاه هاشمي، وكان اسمها "بيا پدہ"، وتحمل معنى قريبًا من "تعال مرة أخرى"، وكأنَّ الكلمات تقول لنا: عُد، ولنغرس المحبة من جديد في قلوب الناس. وهنا حدث شيء غريب في داخلي. كنت في فنجاء، لكن الكلمات أخذتني إلى مكران. كان أمامي وادٍ عُماني، وفي أذني شعر بلوشي، وفي داخلي طفل يبحث عن نفسه. للحظة شعرت أنَّ الجغرافيا نفسها فقدت حدودها، وأنَّ الإنسان يستطيع أن يعيش في أكثر من مكان في اللحظة ذاتها.
وسيد ظهور شاه هاشمي لم يكن شاعرًا عابرًا في الثقافة البلوشية، بل كان من أولئك الذين فهموا أن اللغة ليست حروفًا فقط، وإنما ذاكرة شعب. وُلد في جوادر عام 1926، وكرّس جانبًا كبيرًا من حياته للشعر والبحث وخدمة اللغة البلوشية، وترك إرثًا في الشعر والنثر والدراسات اللغوية، ومن أبرز أعماله المعجمية "سيد گنج". كان يدرك أن اللغة حين تضعف، لا تضيع الكلمات وحدها، بل تضيع معها أجزاء من ذاكرة الإنسان. ولهذا يمكن أن نفهم شعره بوصفه محاولة لإبقاء الإنسان قريبًا من جذوره، وقريبًا من صوته الأول الذي سمعه قبل أن يتعلم كيف تفرقه الحياة بين المدن والبلدان.
وربما هنا تلتقي فنجاء بمكران. تلتقيان في داخلي، لا على الخريطة. فالمكان ليس دائمًا حيث تقف أقدامنا، بل أحيانًا حيث تقيم ذاكرتنا. والوطن ليس مجرد حدود نراها على الخرائط، بل أصوات وروائح ولهجات وأغانٍ ووجوه وطرقات ومساجد ومدارس ووديان. قد يكون للإنسان عنوان واحد، ولكن قلبه يستطيع أن يحمل عناوين كثيرة. وربما لهذا السبب تستطيع أغنية واحدة أن تعيد إلينا زمنًا كاملًا، وتستطيع كلمة واحدة أن تحملنا من وادٍ في عُمان إلى سواحل مكران ثم تعيدنا مرة أخرى إلى طفولة ظننا أنها ابتعدت.
وأعود إلى سؤالي الأول: من أنا؟ هل أنا ذلك الطفل الذي كان يتعلم القرآن بعد صلاة العصر في حارة السعادي؟ أم الرجل الذي يعود اليوم إلى الوادي يبحث عن ذلك الطفل؟ هل أنا ابن المكان الذي عشت فيه، أم ابن اللغة التي ورثتها، أم ابن الذكريات التي صنعتني؟ ربما الإنسان كل هذا معًا. نحن لا نمضي في الحياة ونترك الأماكن خلفنا كما نعتقد، بل نأخذ شيئًا منها معنا، وهي تأخذ شيئًا منا. ولهذا عندما نعود إليها بعد سنوات نشعر بغربة جميلة ومؤلمة؛ المكان هو المكان، ولكن الشخص الذي عاد ليس هو الشخص الذي رحل.
وهذه ربما أقسى فلسفة في الزمن. فالزمن لا يأخذ منا السنوات فقط، بل يأخذ النسخة القديمة منا، ثم يترك لنا الذاكرة كي نزورها. ولهذا بدت لي "بيا پدہ" أكثر من أغنية. شعرت أنها نداء خفي يقول: تعال مرة أخرى. عد إلى طفولتك، عد إلى لغتك، عد إلى الذين أحببتهم، وعد إلى المكان الذي صنع جزءًا منك، ولكن لا تعد لكي تبكي على الماضي فقط، بل عد لكي تحمل منه شيئًا من المحبة إلى الحاضر.
فنحنُ في النهاية ضيوف على الزمن. نأتي قليلًا، ونحب قليلًا، ونحزن قليلًا، ثم نترك وراءنا بعض الكلمات وبعض الذكريات. أما الجبال فتبقى، والوديان تبقى، والشعر ربما يبقى أطول منا. ولهذا كلما أخرج من وادي فنجاء، ألتفت إليه وكأنني أودع شخصًا عزيزًا، ثم أكتشف أنني لم أودعه أصلًا، لأنني أخرج من وادي فنجاء، لكن وادي فنجاء لا يخرج مني.
محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية**
