ناصر بن صالح الغازي
يُبرز حادث سمائل المأساوي الحاجة إلى الانتقال من التوعية المرورية التقليدية والمؤقتة إلى منظومة ذكية ومُتكاملة لإدارة المخاطر والوقاية الاستباقية؛ فالحادث لا يبدأ دائمًا لحظة الاصطدام، بل قد تسبقه سلسلة مترابطة تبدأ بضعف المعرفة أو نسيانها، ثم قرار أو سلوك غير آمن، وقد تتطور إلى مخالفة ثم حادث وما يترتب عليه من إصابات ووفيات وخسائر ومطالبات تأمينية.
ومن هنا يأتي مشروع التوعية المرورية الشاملة ومنصة الذكاء الاصطناعي لإدارة المخاطر ليُعالج هذه السلسلة من بدايتها؛ فهو لا يكتفي بتقديم معلومات عامة، بل يبني وعيًا شاملًا وعميقًا يغطي العامل البشري، والطريق والطقس والبيئة المرورية، والمركبة وصيانتها، والشاحنات والحمولات، ومسافات الأمان، والسرعة والفرملة، والنقاط العمياء، والازدحامات والطوارئ وغيرها، ليعرف السائق كيف يتجنب الخطر، وكيف يتعامل معه عند ظهوره، وكيف يقلل من شدته ونتائجه إذا تعذر تجنبه.
كما تتيح المنصة تقديم التوعية بعدة لغات، بحيث يخاطب كل مستخدم للطريق بلغته، بما في ذلك سائقو المركبات الثقيلة ومختلف الجنسيات المستخدمة لطرق السلطنة؛ فالوقاية الحقيقية لا تتحقق بمجرد إيصال المعلومة، بل بضمان فهمها وترسيخها والقدرة على استدعائها وتطبيقها عند مواجهة الخطر.
ويستخدم المشروع تقنية تعليمية ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لقياس مدى ترسخ المعرفة وإعادة تقديمها في الوقت المناسب لمقاومة النسيان ونقلها تدريجيًا إلى الذاكرة طويلة المدى، بحيث لا تكون المعلومة مجرد معرفة مؤقتة لاجتياز اختبار، بل معرفة حاضرة يستطيع السائق استدعاءها في اللحظة الحرجة وتحويلها إلى قرار وسلوك آمن.
وترتبط المنصة كذلك بالمخالفات والحوادث؛ فإذا ارتكب السائق مخالفة أو شارك في حادث، لا تبقى الواقعة مجرد رقم في سجله، بل يحلل الذكاء الاصطناعي نوعها ونقاط الضعف المرتبطة بها ويقدم برنامجًا تصحيحيًا شخصيًا من الدروس والاختبارات والمتابعة لمعالجة أسباب السلوك وتقليل احتمالية تكراره، لتتحول كل مخالفة أو حادث إلى فرصة للتعلم والتطوير والوقاية من الحادث التالي.
ولا تتوقف المنظومة عند السائق، بل تمتد إلى الأسرة والسائقين الآخرين المستخدمين للمركبة والأصدقاء والزملاء والمجموعات التوعوية، بما يحول السلامة المرورية من مسؤولية فردية إلى ثقافة جماعية مُستمرة.
ولا يدّعي المشروع منع جميع الحوادث، فهناك عوامل لا يُمكن التحكم فيها بالكامل، وإنما يسعى إلى خفض احتمالية الحوادث القابلة للوقاية والحد من شدتها ونتائجها من خلال بناء سائق أكثر وعيًا وقدرة على اكتشاف المخاطر والتعامل معها؛ فحادث سمائل يذكرنا بأنَّ معرفة أسباب الحادث بعد وقوعه مهمة، لكن الأهم أن نحول دروس الحوادث إلى معرفة راسخة وسلوك وقائي يمنع تكرارها.
وهذا هو جوهر المشروع: من التوعية إلى الوقاية، ومن تسجيل المخالفات والحوادث إلى معالجة أسبابها، ومن إدارة نتائج الحوادث إلى إدارة مخاطرها قبل وقوعها؛ لأنَّ كل خطر يتم تجنبه قد يعني حادثًا أقل، وإصابة أقل، وحياة يتم إنقاذها.
ولو كانت هذه المنظومة مطبقة على نطاق واسع، لكان من الممكن أن تسهم بصورة استباقية في رفع جاهزية السائقين للتعامل مع مثل هذه المخاطر قبل وقوعها؛ من خلال توعية سائقي المركبات الثقيلة وتقييم معرفتهم بمخاطر الحمولات وتأمينها، ومسافات التوقف والفرملة، والتعامل مع الازدحام المفاجئ والطوارئ، وفي الوقت نفسه توعية بقية مستخدمي الطريق بمخاطر الاقتراب من الشاحنات والحمولات الثقيلة، والنقاط العمياء، ومسافات الأمان، وكيفية التصرف عند ظهور خطر مُفاجئ. والأهم أنَّ هذه المعرفة لن تقدم مرة واحدة ثم تُنسى، بل يعمل المشروع على قياس مدى ترسخها، واكتشاف نقاط الضعف لدى كل سائق، وإعادة تعزيزها بصورة مستمرة حتى تصبح أكثر حضورًا عند اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة.
كما تُستخدم المخالفات والحوادث السابقة لتقديم برامج تصحيحية متخصصة تهدف إلى تقليل احتمالية تكرار السلوك أو الخطأ نفسه. ومن ثم، فإنَّ تطبيق المشروع لا يعني ضمان منع كل حادث، وإنما بناء طبقة وقائية إضافية تعمل قبل الحادث، بهدف تقليل احتمالية وقوع الحوادث القابلة للوقاية أو الحد من شدتها ونتائجها.
وهنا تكمن فلسفة المشروع: لا ننتظر الحادث لنتعلم منه، بل نحول معرفة الحوادث والمخالفات السابقة إلى وعي راسخ لدى آلاف السائقين، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها على طرق أخرى ومع أسر أخرى.
وفي ختام الحديث عن هذا الحادث الأليم، نسأل الله أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل والتام، وأن يلهم أسر الضحايا وذويهم الصبر والسلوان. حفظ الله سلطنة عُمان وأهلها وجميع مستخدمي الطريق من كل مكروه، ونسأله سبحانه أن يحفظ الجميع من الحوادث المرورية ومآسيها، وأن يجعل طرقنا أكثر أمنًا وسلامة للجميع.
