بين بغداد وكربلاء.. 5 أيام من استكشاف قلب العراق (1)

 

 

 

 

صالح البلوشي

 

كانت زيارة العراق بدجلته وفراته ومُدنه وعتباته المقدسة أمنية تراودني منذ سنوات، أنا وزوجتي الكاتبة والإعلامية فايزة محمد، لكن الظروف الأمنية التي مرَّ بها العراق والمنطقة كانت تحول دائمًا دون تحقيقها. فقد عانى هذا البلد كثيرًا من الحروب والحصار والاحتلال الأمريكي، ثم ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي وسيطرته على محافظات عراقية بأكملها، قبل أن يتم دحره نهائيًا سنة 2017.

وبعد سنوات من الانتظار، قررنا أخيرًا زيارة العراق في نهاية يناير الماضي، لكن المنطقة شهدت تطورات أمنية متسارعة في ظل التهديدات الأمريكية لإيران، وكانت طبول الحرب تدق بقوة حتى بدا أن المنطقة تقترب من ساعة الصفر لاندلاع الحرب.

ووسط هذه الأجواء المشحونة والمقلقة، ظهرت فجأة مساحة من الهدوء قررنا استغلالها لزيارة العراق، فحجزنا تذاكر السفر لمدة خمسة أيام. وفي هذه الفترة كانت تعقد "مفاوضات مسقط" بين إيران والولايات المتحدة، وأذكر حينها أن زوجتي قالت إن الطرفين يحتاجان إلى شهر على الأقل من المفاوضات قبل أن تنقلب الأوضاع مجددًا وتعود المنطقة إلى أجواء التصعيد والحرب. وهذا ما حدث -للأسف- بعد أيام قليلة من عودتنا من العراق.

وصلنا إلى بغداد التي طالما تمنينا زيارتها، فوجدناها جميلة بدجلتها وشوارعها ومقاهيها ومتاحفها، ووجدنا أن الأمن مستتب فيها، وأن الزائر يستطيع التنقل فيها دون أي قلق، لكن بغداد معروفة أيضًا بازدحام شوارعها.

استغرقت رحلتنا من مطار بغداد إلى فندق قصر الجادرية نحو ساعة كاملة، رغم أن المسافة بينهما لا تتجاوز 25 كيلومترًا. ويبدو أن وصولنا تزامن مع خروج الموظفين من أعمالهم، وهو ما ضاعف الازدحام. وقد تأكد لنا ذلك عند عودتنا؛ فالطريق نفسه تقريبًا من الفندق إلى المطار لم يستغرق في منتصف الليل أكثر من نصف ساعة.

ومع ذلك، فإن الازدحام يبقى واحدًا من أبرز ملامح الحياة اليومية في بغداد، ولا سيما خلال ساعات النهار. ولقد سألت أحد الأصدقاء العراقيين عن أسباب الازدحام فأجاب بأن كثيرًا من شوارع العاصمة لم تشهد توسعات كبيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في مقابل الزيادة الكبيرة في أعداد السيارات، فضلًا عن مواكب المسؤولين وسيارات الحماية التي ترافق نواب البرلمان وكبار الشخصيات المدنية والعسكرية والأمنية.

ورغم ازدحام شوارع بغداد، فقد اكتشفنا بغداد أخرى كنا نبحث عنها منذ سنوات؛ بغداد الكتب والمقاهي ودجلة، وبالنسبة لي كان شارع المتنبي واحدًا من أكثر الأماكن التي اشتقت إلى زيارتها.

كنت أستمتع بالتجول في شارع المتنبي مساء كل يوم؛ أمر على المكتبات وبسطات الكتب، أتأمل العناوين وأقلّب الصفحات، وأتوقف بين حين وآخر أمام كتاب يجذبني عنوانه أو مؤلفه. وبعد جولة بين الكتب، نأخذ فسحة من الوقت لشرب الشاي العراقي اللذيذ في مقهى الشابندر الشهير، قبل أن نواصل جولتنا ونحتسي شايًا آخر في مقهى الزهاوي.

وفي نهاية الجولة، نصل إلى تمثال المتنبي عند دجلة الخير، حيث يقف الشاعر منتصبًا، يطل على النهر بالقرب من الشارع الذي يحمل اسمه، وكأنه لا يزال حاضرًا بين الكتب والقراء والمثقفين الذين يأتون إلى هذا المكان من العراق وخارجه.

وعندما تقف أمام تمثاله، بعد أن أمضيت وقتًا طويلًا بين المكتبات وباعة الكتب، يحضر في ذهنك بيته الشهير:

«أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ

وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ»

ولعل هذا البيت يلخص شيئًا من روح شارع المتنبي نفسه؛ فالكتاب هنا ليس مجرد زينة تُضيفه إلى رفوف مكتبتك، أو تفتخر به بين أصدقائك ومعارفك، وإنما تكمن أهميته عندما تفتحه وتقرأه وتحاوره، ثم تستفيد من أفكاره ومعارفه في الحياة.

وكما يقول الأديب ألبرتو مانجويل في كتابه "المكتبة في الليل": "قد لا تغير الكتب معاناتنا، قد لا تحمينا من الشر، ولا تخبرنا يقينًا بما هو الخير والجمال، لكنها تمنحنا إمكانيات لا تحصى: إمكان التغيير وإمكان الاستنارة".

وهكذا نغادر شارع المتنبي في كل مساء ومعنا بعض الكتب الفلسفية والفكرية والأدبية، لكن الأجمل من الكتب كان ذلك الشعور بأننا مررنا بمكان لا تزال فيه الكلمة حية، وأن بغداد رغم كل ما مر بها من حروب وحصار واحتلال وإرهاب لا تزال قادرة على أن تمنحك الهدوء والطمأنينة والسعادة والمعرفة التي تبحث عنها.

لم تنته رحلتنا عند حدود بغداد وسحر شوارعها ومعالمها، ففي المقال القادم سيكون لنا محطات من هذه الزيارة، لاستكشاف جمال المدن الأخرى مثل كربلاء والنجف.

 

الأكثر قراءة

z