د. عبدالله باحجاج
رغم ارتفاع وتيرة توفير فرص عمل للباحثين عن عمل، وقد أصبح عام 2026 لافتًا في عرض مجموعة كبيرة من فرص العمل في القطاعين الحكومي والخاص، لكن الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار الاقتصادي، هو كم وظيفة ينتجها اقتصادنا سنويًا؟ ومنه يتفرع سؤال آخر: هل يُناقش فوق الطاولتين السياسية والاقتصادية عدد وحجم فرص العمل الناجمة عن الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الجديدة- الحكومية والخاصة- أم تُترك للتلقائية؛ أي دون تخطيط مُسبق؟
والفرق كبير بين وظائف تُستحدث بقرار وبدعم حكومي وبين أخرى ينتجها نمو اقتصادي حقيقي نتيجة مصنع جديد أو مشروع تصديري أو شركة تقنية أو قطاع سياحي أو استثمار لوجستي أو نشاط تعدين وصناعات تحويلية... إلخ. وهنا ينبغي أن يتغير فكرنا الاستراتيجي من كم وظيفة أو فرصة عمل تم توفيرها هذا العام إلى كم وظيفة انتجها اقتصادنا هذا العام؟
وما نطرحه يتماهى مع رؤية "عُمان 2040"؛ إذ تُشير إلى أنَّ سُرعة خلق الوظائف مرتبطة بالنمو الاقتصادي وتنويع الاقتصاد نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية القابلة للتصدير. والقضية الكبرى هنا تكمُن في الانتقال من سؤال: كيف نُوظِّف الباحث عن عمل، إلى سؤال: كيف نبني اقتصادًا يُنتج الوظائف؟ وربما آن الأوان أن نقف وقفة تأمل وتدبُّر في أولويتانا من منظور كل مُحافظة، وأن نُعيد برمجتها بما يتناسب مع ما يُمكن إنجازه منها في أسرع وقتٍ مُمكن، من خلال "مبدأ باريتو 20/80"، نسبةً إلى عالم الاقتصاد الإيطالي فيلفريدو باريتو، والذي ينص على أن 80% من النتائج تأتي من 20% من المشاريع.
هذا المبدأ يُرشِّد الجهود المتعددة والمتنوعة للإجابة على التساؤل التالي: كيف نُحدِّد أولوياتنا الوطنية المتعددة والمتنوعة والتي تتطلب سيولة مالية كبيرة؟ وهي تحتاج إلى وقت طويل في ظل ضغوط مجتمعية للنتائج؛ فالمرحلة الآن ليست مرحلة أن نَفْعَل كل شيء، وإنما ما الذي ينبغي أن يكون في مقدمة أجندتنا الوطنية وتكون له انعكاسات كبرى على مجتمعنا وإيراداتنا المالية؟ ومن ثم ما الذي يمكن تأجيله وإعادة ترتيب أولوياته وفق "مبدأ باريتو".
وهذا المبدأ تتبناه مؤسسة محافظة ظفار، وربما تتفرَّد به على بقية المحافظات، وقد تشرَّفتُ بالإشراف على تطبيقه في محور المجتمع والتنمية في استراتيجية ظفار الشاملة. ومن هنا يقودني التفكير إلى تطبيقه على الأجندات الوطنية التي- دون شك- كلها مهمة، لكن لا يمكن تحقيقها في سلة واحدة وبآجال زمنية معقولة، لأنها تحتاج للأموال الضخمة والجهد والوقت، وإنما عبر التركيز على نسبة 20% منها شريطة أن تنتج 80% من النتائج.
وما أحوج مرحلتنا الوطنية الآن للنتائج الملموسة التي ينعكس أثرها على المجتمع وإيرادات الدولة، وعلى كل مُحافظة أن تختار الأولويات وفق ذلك المبدأ، وتعمل على الإسراع في بلورتها في تنافسية شريفة وبحوكمة شفافة وإعلام رقابي ليس للمساءلة والمحاسبة فحسب، وإنما لوضع كل مجتمع محلي وراء الإنجازات التي تتحقق لدواعي صناعة الأمل.
ولو احتكمنا لهذا المبدأ في مشاريع ظفار، سنجد مشروع مدينة النجد الزراعية، من بين الأوائل التي ينبغي التركيز عليها؛ فهو طموحنا الوطني الاستراتيجي لأن يكون النجد مركزًا غذائيًا واستثماريًا رائدًا على مستوى المنطقة يُحقِّق أمننا الغذائي ويُنوِّع اقتصادنا الوطني. ومنطقة النجد مؤهلة لهذا الطموح؛ إذ تُمثِّل 80% من مساحة محافظة ظفار، وتمتد على نحو 40 ألف كيلومتر مربع، وتتمتع بمقومات طبيعية فريدة تشمل وفرة المياه والتربة الخصبة والمساحات المنبسطة. والتصور الحديث لها يقوم على اقتصاد زراعي متكامل يضم الإنتاج والتصنيع بعد الحصاد، واللوجستيات، والبحث والابتكار، والتعليم الزراعي والسياحة الزراعية مع تقنيات مثل الزراعة العمودية والمائية والذكاء الاصطناعي... وأي وظيفة واحدة في المزرعة يمكن أن تنتج من حولها سلسلة من الوظائف خارج المزرعة، وبعض التقارير غير الرسمية تتحدث عن نحو 6500 وظيفة ضمن تجمع اقتصادي وزراعي وصناعي متكامل.
لذلك.. فعندما تمنح الحكومة أرضًا أو بنية أساسية أو حوافز أو إعفاءات لمشروع استثماري، ينبغي أن يكون أحد مؤشرات تقييمه الأساسية، كم وظيفة إنتاجية سيخلقها داخل الاقتصاد الوطني، وهُنا تشكل منطقة النجد الزراعية أكبر الاختبارات لفكرة الاقتصاد الإنتاجي بحمولة توفير فرص عمل- نوعية وكمية- وإيرادات سنوية معتبرة لخزينة الدولة، وهذا مجرد نموذج لمدخل مستقبل الاقتصاد العُماني كله.
وربما نحتاج هنا إلى حوكمة خاصة لإنتاج فرص عمل مستقلة لذاتها؛ لأن كما قُلنا سابقًا، فقد تجاوزنا سؤال كم وظيفة وفَّرتها الحكومة، وانتقلنا إلى ضرورة معرفة كم وظيفة يُنتجها سنويًا اقتصادنا الوطني في ضوء توجهات الدولة الاستثمارية والاقتصادية؟ ومن أي قطاعات؟ وما مدى استدامتها؟ وما متوسط أجورها؟ وكم قيمة مضافة لكل وظيفة؟ ومن الأهمية بمكان الوقوف عند حوكمة إنتاج الوظائف كوحدة مستقلة، ونقترح أن تكون ضمن الأُطر المؤسسية لمكتب صاحب السمو السيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، أو ضمن وزارة الاقتصاد؛ لأنها تعطي للدولة مؤشريْن في غاية الأهمية؛ أحدهما اقتصادي، والآخر استباقي للأمن الاجتماعي.
وتُظهِر لنا حوكمة إنتاج الوظائف كإحدى أهم أدوات التخطيط للاستقرار الاجتماعي، لأنها بذلك ترى المستقبل مُسبقًا؛ فالحوكمة- كما يُقال عنها- تجعل من الاستثمارات ومن المشاريع الاقتصادية إنتاجًا، ومن الإنتاج قيمة مضافة، ومن القيمة المضافة وظائفَ، ومن الوظائف استقرارًا اجتماعيًا. لذلك؛ فحوكمة إنتاج الوظائف تحتاج إلى ربط الاقتصاد والاستثمار والتعليم والتدريب والعمل والمالية والتخطيط في منظومة واحدة، والكثير من الدول تربط استثماراتها بالوظائف بحيث لا ينظر إلى المشروع من حجم رأس المال أو عائده المالي فحسب، وإنما أيضًا كم وظيفة سيُنتج؟ وما نوعيتها؟ وكم منها مستدام؟... إلخ.
وسنتناول مدينة النجد في مقال مستقل كنموذج لحوكمة إنتاج الوظائف.
