التنمية وتحديات الاقتصاد

حاتم الطائي

مؤشراتنا الاقتصادية مرتفعة لكن دون انعكاس حقيقي على دخل المواطن

ضرورة التوسع في المشروعات المولِّدة للوظائف ذات الدخول المرتفعة

◄ نعوِّل على مجلس التنسيق الاقتصادي لدفع مسارات التنمية الشاملة

الحديثُ عن الاقتصاد وتحديات التنمية لا ينتهي؛ فالتطورات التي نشهدها في بيئة الأعمال محليًا وإقليميًا وعالميًا، تدفعنا إلى مُواصلة طرح الأفكار والرؤى التي من خلالها يُمكن لوطننا الحبيب أن يمضي نحو المُستقبل بخطى واثقة، مُرتكزًا على خطط طموحة وبرامج تنفيذية واعدة.. غير أنَّ التحديات التي تنشأ بين الحين والآخر تفرض ضرورة التعاطي معها بآليات غير تقليدية؛ بما يضمن أن يقود النمو الاقتصادي مسارات التنمية المُستدامة.

وكثيرًا ما يتساءل البعض عن الأسباب التي تجعل المواطن لا يشعر بما يُحققه الاقتصاد من نمو؛ فالإحصائيات التي تُنشر دوريًا ترسم صورة إيجابية عن أوضاعنا، فإذا نظرنا إلى الإيرادات العامة للدولة بنهاية شهر يونيو الماضي، نجدها قد ارتفعت بنسبة 13 في المائة، لتصل إلى 6.6 مليار ريال عُماني، كما أنه في ظل الوفورات المالية المُتحققة بفضل ارتفاع أسعار النفط، صعد الإنفاق العام للدولة إلى 6.619 مليار ريال، بزيادة 521 مليون ريال. كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى 9.7 مليار ريال في الربع الأول من العام الجاري، بنمو 2.6%. ويتواصل الإعلان عن مشروعات نوعية في قطاعات مُتعددة وفي مختلف المحافظات، من شأنها أن تحقق التنمية وتُنعش الاقتصاد. لكن يظل المواطن يسأل: ماذا تحقق لي؟ ولماذا لم ينعكس ذلك على مستوى الدخل؟ هذا بخلاف الشكاوى المتصاعدة من رواد الأعمال والمستثمرين، من ارتفاع الرسوم والضرائب ولجوء بعض الجهات إلى فرض إجراءات تعسفية وإصدار قرارات لا تخدم بأي حالٍ من الأحوال مسارات النمو الاقتصادي، ولا تساعد على توسيع رقعة التنمية.

الحقيقة أنَّ هذا المشهد الذي قد يبدو غائمًا لدى البعض، ومُحيِّرًا لآخرين، فكيف لمشروعات تُكلف مئات الملايين من الريالات، وبعضها المليارات، أن لا تعود بالنفع المتوقع على المواطن، من حيث توفير عدد كبير من الوظائف، أو زيادة الرواتب، أو التوسع في الخدمات المدعومة، أو على الأقل خفض الأسعار!

هنا تتجلى نظرية اقتصادية قديمة، وهي أنه ليس كل نمو في الاقتصاد الكُلي يعني تحسن مستوى المعيشة، لأنَّ خبراء الاقتصاد يميزون بين النمو القائم على الاستثمار، وهو ما نراه اليوم في عدد من الدول، والنمو القائم على خلق الوظائف وزيادة دخل الأفراد. وهذا ما يدفعنا للاعتقاد بأنَّ اقتصادنا ينتمي إلى النوع الأول، فقد نجحنا في استقطاب استثمارات نوعية، لا سيما خلال السنوات الأخيرة القليلة؛ فقد ارتفعت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 8.7% بنهاية الربع الأول من العام الجاري، لتصل إلى 32.197 مليار ريال عُماني، وتتنوع هذه الاستثمارات في قطاعات النفط والغاز والصناعات التحويلية والوساطة المالية والعقارات والكهرباء والمياه، إلى جانب قطاعات أخرى مثل النقل والتخزين والاتصالات.

ولذلك تنشأ إشكالية أخرى تتمثل في جودة النمو الاقتصادي، فعدم شعور المواطن بنمو الاقتصاد في صورة زيادة الدخل أو ارتفاع الراتب الشهري، يعني أنَّه لم يستفد منه بالدرجة التي كان يأملها، لكن استطاعت الحكومة- مثلًا- أن تجني عوائد مالية في صورة ضرائب ورسوم خدمات، وكذلك حققت الشركات الكبرى أرباحًا بفضل المشاريع التي تنفذها، ونجحت المصانع في زيادة دخلها مع توسعها في الإنتاج والتصدير للخارج، بينما يظل الغالبية من الأفراد يُعانون من ضعف الدخول، ويُواجه أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحديات كبيرة نتيجة بعض الإجراءات البيروقراطية، وضعف القوة الشرائية للأفراد الناتج عن جمود الدخل عند مستويات سابقة منذ سنوات.

ولمُواجهة مثل هذه الفجوة، تلجأ الحكومات عادة إلى ربط الإنفاق بالتنمية، لمنع أي تسرُّب اقتصادي؛ أي الإنفاق الذي لا يُحقق عوائد مباشرة على المواطن. ولهذا تلجأ إلى توطين الصناعات وتشجيع الشركات الأجنبية على مزاولة نشاطها من داخل الدولة، لخفض فاتورة الاستيراد، خاصة إذا كانت هذه الدولة تُعاني من عجز في الميزان التجاري. وخيرًا اتخذت الحكومة قرارات تدعم مثل هذه التوجهات؛ سواء من خلال تعزيز المحتوى المحلي وفرض قائمة إلزامية لشراء المُنتج المحلي، أو اختيار تعزيز جودة الإنفاق العام، لضمان توجيه أكبر قدر منه للمشروعات الموفرة للوظائف. وهنا أُحيي جهاز الاستثمار العُماني على جهوده في هذا الجانب؛ حيث أعلن مُؤخرًا عن ضخ 935 مليون ريال استثمارات في 4 مشروعات صناعية استراتيجية كبرى توفر 1850 فرصة عمل. ومثل هذه المشروعات هي التي نحتاج إليها، مشروعات تُعزز الإنتاجية وتدعم النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته توفر فرص العمل وترفع من مستوى معيشة الأفراد.

لكن هل نكتفي فقط بجهود بعض الجهات، أم ينبغي أن تتكاتف كل المؤسسات، حكومة وقطاعا خاصا، من أجل تحقيق الأهداف الطموحة؟

لقد تفاءلنا خيرًا بمجلس التنسيق الاقتصادي بقيادة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ونترقب أول اجتماع للمجلس، وما سيتخذه من إجراءات وما يصدره من قرارات، من شأنها أن تُعزز مسيرة النمو الاقتصادي، وتدعم التنمية، وفق مُستهدفات رؤية "عُمان 2040".

لكن في الوقت نفسه، نُريد أن نرى ربطًا للاستثمارات بمؤشرات التنمية، من خلال توفير الوظائف وزيادة الدخول، واتخاذ إجراءات ناجعة لخفض تكلفة المعيشة، ودعم القوة الشرائية للأفراد، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووقف الإجراءات التعسفية التي تستهدف رواد الأعمال، والتوسع في برامج التأهيل والتدريب، والدفع بمزيد من التحول الرقمي في مختلف المجالات، فضلًا عن إعادة صياغة الحوافز الاستثمارية وربطها بمعدلات التوظيف وتوطين الصناعة والصادرات، وأن نسأل أنفسنا في كل مشروع استثماري: ما الإضافة التي ستتحقق من هكذا مشروع؟

ويبقى القول.. إنَّ ما يزخر به وطننا من مُقومات فريدة وبيئة استثمارية واعدة وحوافز مُشجِّعة على الاستثمار، يؤكد قدرتنا على رفع مستوى معيشة الأفراد وتحسين أوضاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودعم النمو الاقتصادي في الوقت نفسه، ولذلك علينا أن نُواصل الجهود من أجل بناء اقتصاد قادر على إنتاج الثروة وتوزيع الفرص على الجميع، بما يضمن وظائف أكثر ودخولا أعلى، وقوة شرائية مرتفعة، واقتصاداً أكثر استدامة واستقرارًا.

الأكثر قراءة

z