د حارث الحارثي **
تشهد بيئة الأعمال في بلادنا تحولات رقمية وتنظيمية متسارعة، يُفترض في مقامها الأول أن تدعم التنويع الاقتصادي وتحمي سوق العمل، وهو مسعى تنظيمي تُشكر عليه الجهات التنفيذية.
ومع ذلك، فإن بعض الإجراءات المتبعة مؤخرًا، وفي مقدمتها آلية "الربط الإلكتروني الشامل للسجلات التجارية" وتعميم الإيقاف التلقائي على كافة المنشآت بمجرد تعثُّر منشأة واحدة، باتت تشكل تحديًا هائلًا يعصف بمرونة بيئة الأعمال، وتحديدًا قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويهدد قواعد الحوكمة التجارية المعاصرة.
في الطب، ندرك تمامًا أن علاج العضو المصاب لا يكون أبدًا بقطع تدفق الدم عن بقية الجسد السليم، بل بالتشخيص الدقيق واستئصال العلة وحدها دون الإضرار بالأعضاء الحيّة المُحيطة بها. وبالمثل في الاقتصاد؛ فإن الفلسفة التي بُني عليها إجراء "الربط الآلي" التلقائي تنطلق من افتراض إداري مسبق بأن كل تعثر لشركة هو نتيجة "احتيال أو سوء نية" من صاحب العمل. لكن واقع السوق والمنطق الاستثماري يؤكدان عكس ذلك؛ فالتعثر التجاري هو جزء طبيعي من دورة حياة المال والأعمال، تفرضه تقلبات السوق وتحديات المرحلة الراهنة، والتقلب المستمر في سياسات وإجراءات وزارة العمل التي تجعل من الصعب على أصحاب العمل بناء خطط استراتيجية مستقرة على المدى الطويل.
وإذا أردنا تشخيص حال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اليوم من منظور سريري، سنجد أنها أصبحت بمثابة "مريض إنعاش" يُعاني من اعتلالات حادة؛ فهي تئن تحت وطأة "فقر الدم المالي" الحاد نتيجة جفاف السيولة وشح التسهيلات، وتشتكي من "ضعف الأقدام وهشاشة العظام التشغيلية" التي تجعلها غير قادرة على الوقوف والصمود أمام هزات السوق المتلاحقة، فضلًا عن "نقص المناعة الحمائية" ضد تقلبات القوانين والرسوم المفاجئة. وفي الوقت الذي يحتاج فيه هذا الكيان الضعيف إلى جرعات مكثفة من المكملات والمغذيات الحافزة والدعم اللوجستي لبناء مناعته، يأتي قرار "الربط الآلي الشامل" ليكون بمثابة قطع تام للأكسجين وحظر للغذاء والماء الإداري، مما يحول الوعكة التجارية العابرة إلى سكتة قلبية تقضي على الكيان كليًا.
والممارسة الحالية تذهب إلى أبعاد أشد خطورة على بنية السوق؛ إذ يمتد الإيقاف والتجميد الشامل للشركات بناءً على الأرقام الشخصية للملاك مهما كانت ضآلة حصصهم في رأس المال (ولو كانت حصة أقلية لا تتعدى نسبًا رمزية)؛ بل ويتعدى ذلك ليشمل المفوضين الإداريين والتنفيذيين الذين هم في الغالب خبراء وموظفون يديرون العمل بموجب عقود تسييرية ولا يملكون أسهمًا في المنشأة.
هذا الإجراء يضع استثمارات كبرى وناجحة رهينة لتعثر مشروع صغير يمتلك فيه أحد الشركاء حصة ضئيلة، مما يلحق ضررًا فادحًا بالشركاء الآخرين (الأغلبية) الذين التزموا بالقوانين ولم يقترفوا ذنبًا. كما أن هذا التوجه يهدد بنفور الكفاءات الإدارية والتنفيذية التي ستتردد كثيرًا قبل قبول مهام الإشراف أو التفويض الإداري خوفًا من تجميد بطاقاتهم الشخصية وشل مصالحهم الأخرى بسبب تعثر كيان لا يملكونه.
المؤكد أن هذا التوجه ينسف المبدأ القانوني والتجاري الذي نهضت عليه الأسواق الحديثة، وهو مبدأ "الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة" و"المسؤولية المحدودة". هذه المبادئ لم تُوضع لحماية المخالفين، بل وُجدت لمنح الأمان لرواد الأعمال والمستثمرين، ليعلم المستثمر- محليًا كان أم أجنبيًا- أن حدود مخاطرته تنتهي عند رأس مال المشروع نفسه، ولا تمتد لتلتهم وتشل بقية مبادراته الناجحة التي تدفع الرواتب وتنعش الدورة الاقتصادية بانتظام.
وإذا نظرنا إلى التجارب الدولية المتقدمة في أمريكا وأوروبا وآسيا، نجد أنها تواجه التهرُّب بحزم شديد، ولكن بأدوات فرز ذكية تفصل بين "المتعثر بحسن نية" و"المُحتال"؛ إذ تعتمد على التحقيقات الإدارية السريعة، وأنظمة تقييم المخاطر، وتطبيق عقوبة "عزل المفوَّض أو المدير" قضائيًا من الإدارة في حال ثبوت تقصيره الشخصي المتعمّد، مع ضمان استمرار دوران عجلة المنشآت الأخرى وحماية الوظائف وحقوق الشركاء الآخرين فيها.
الحقيقة أن طموحاتنا الوطنية لبناء بيئة استثمارية جاذبة ومستدامة تتطلب منا التخلي عن الحلول الرقمية التلقائية السهلة (كالغلق والربط الشامل) التي تعامل المستثمر والمدير بـ"افتراض الإدانة المسبقة".
نحن بحاجة اليوم إلى مراجعة حقيقية توازن بين حماية الحقوق وتحصيل المستحقات، وبين منح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكفاءات الإدارية الأمان والثقة للنمو والاستقرار، وحماية الاقتصاد وطمأنة المستثمر تبدأ من حماية الكيانات الناجحة، وليس بتحويل تعثرها الطبيعي الجزئي إلى إفلاس قسري جماعي.
** كاتب وطبيب ورائد أعمال
