مُزنة المسافر
نظرتْ صوفيا لنفسها في المرآة، وجهها مُنتفخ قليلًا، لقد وضعت مساحيق التجميل، إنها تود إبهار فروج! وضعت تاجًا صغيرًا فوق رأسها، وسرَّحت ريشها جيدًا، لوَّنت بعض الريش بلون زهري، وآخر بالأصفر الفاتح. وقررت أن تظهر أمام كمال اليوم، وأن تبهره بشكلها الجديد.
ستتعلم صوفيا بعض كلمات الإتيكيت التي سمعتها من الخواجة يوليوس وهو يتكلم مع أحد النزلاء عن أفكار الإتيكيت الجديدة التي صار يطبقها في مطعم الفندق، وقد علَّم الطاهي الأخطبوط شعبان أن التجديد مطلوب.
تعاون الأخطبوط شعبان في سلق المحار، مع مساعدته الزرافة مبروكة، رغم أن المحارات العنيدة أرادت أن تبتعد عن سلة السلق، وطالبت بالعيش يومًا أطول، إلّا أن مبروكة أعادت كل المحارات السبعة أمام الأخطبوط شعبان، وحرص شعبان- بأذرعه الغريبة- على أن يُحيط المحارات بقوته ويسلب كل حريتها وأنفاسها الأخيرة، واضعًا إيَّاها فوق نارٍ لاهبةٍ ومواظبة أن تشتعل من أجل أن يأكل النزلاء أكلًا لذيذ الطعم والمذاق.
في زاوية أخرى من الفندق، الضفدع كمال يقيس الأبعاد والمسافات بين لوحات موضوعة على وجه الجدار قرب طاولة الاستقبال، يُغيِّر لوحة، يُبدِّل مكان إطار، وكلما وضع لوحة، يرصد في نفسه انطباعًا كثيفًا عنها، وهل لديه انطباع حين ظهرت أمامه العصفورة صوفيا بكامل أناقتها؟ وسلَّمت عليه دون أن تقول له يا فروج!
تكلمتْ كما يتكلم الخواجة يوليوس.
صوفيا: يا خبيبي يا كمال… إنته كويس يا خبيبي!
كمال: بتقلدي الخواجة يا صوفيا؟
صوفيا: بتعلم منه الإتيكيت والكلام الحلو.
كمال: وإيه لزمة الألوان الّي في وشك؟
صوفيا: ده مكياج!.. آه ما أنت فروج ما بتفهمش في المكياج!
حنقت صوفيا قليلًا، لكن لماذا بهذه السرعة؟ ولفت وجهها وظهرها العصفوري، وأبدت انزعاجها، وتأففت من ذكورة فروج. إنه لا يفهم معنى أن تكون جميلًا، عيونه الجاحظة ملاحظة فقط للأشياء.
لكنه طيَّب خاطرها وطلب منها أن لا تدير ظهرها له بل تكلمه بصراحة.
كمال: ما تزعليش، إنتي حلوة أوي، بس النهارده شغلني الديكور، وما قدرتش أركز في كلامي معاكي.
الأبعاد، المسافات، الصور، شغلته أن ينطق الكلمات الرطبة، تلك الكلمات الحلوة التي تشبه المربى، وطلب منها أن يذهبا سويةً إلى مقهى الفندق ويحتسيا القهوة بجانب التوست الفرنسي بالمربى، وبعض التوت البري والعليق، ليحاول هو أن يقول لها كلامه الرومانسي.
وافقت صوفيا، ومضت نحو قفصها، عليها أن تحبس نفسها مُترقِّبةً ربما أجمل لحظة مع فروج، وقد تنتظرها بفارغ الصبر، إنها لا ترغب أن تُدرِّب صوتها مع الخواجة يوليوس على البيانو، ولا تريد أن تغني الأوبرا الصادحة بالماضي، ذلك الماضي الذي يسحبك نحوه بقوة، إنها تريد أن تعيش الغد بأحلى ساعاته وأيامه.
البط شفيق يعوم عومًا دائريًا في حوض السمك، يُخيف الأسماك السابحة بمهلٍ، إنه يُحدث العبث، وينادي على الفوضى المعهودة منه، إنه يعيش اللحظة في ذلك الحوض العجيب.
يتذكر في رأسه، بعض الأفكار المُضحكة، وكأنَّ قطار الأفكار هو قطار للكوميديا المتواصلة، تلك الصادرة من رأس شفيق، فيُقَهْقِه ويُكَرْكِر، بينما السمكات تنظر إليه باستغراب كبير، لا يمكنها أن تفهم مفاهيم شفيق للحياة، وأن الحوض مسرحه للطفو والعوم الجميل المستمر دون يقين متى يمكنه أن يتوقف.
توقَّف فقط حين لاحظ من داخل حوض السمك، حركة الفئران المجنونة من زاوية بعيدة وهي تحمل ساعة رمل، أو كبسولة لآلة زمن، ما الذي أتى بها وسط النهار إلى هنا؟ وهل يعرف الضفدع كمال أنها قادمة؟…. ربما.

تصميم الفنان: حميد العوفي
