المولد النبوي الشريف.. ذكرى وذاكرة

 

 

 

محمد السعداوي **

 

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ // وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ // لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

ذكرى ميلاد خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، يوم استثنائي في حياة المسلمين كافة، تتنوع مظاهر الاحتفال بهذا اليوم بين المسلمين في كل بقاع الأرض، ولكن تبقى الاحتفالات في مصر لها طابعها الخاص والمنوع والممتد عبر التاريخ الطويل.

ففي بلدي مصر، تحتفل بالمولد النبوي الشريف احتفالًا تجتمع في طياته معانٍ ومفردات متنوعة لإرثها العريق، وشخصيتها المتدينة المتصوفة المحتوية لكل المذاهب والأعراف؛ ففي هذا اليوم نرى مزيجًا من ألوان الثقافية الدينية كالأدعية والأناشيد والابتهالات والغناء، عادات وموروثات شعبية قبل أن تكون دينية، هذه مصر كانت وستظل كذلك.

في الأحياء الشعبية بالمدن وبجوار المساجد والأضرحة في القرى والمحافظات، يُشارك الجميع في الاحتفال بمولد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- مظاهر متنوعة للاحتفال نختلف أو نتفق معها، إلا أنها واقع نتشارك فيها جميعاً.

وفي حلقات الذكر يجتمع أصحاب العمائم الخضراء مع لابسي الجلباب البلدي والإفرنجي أو حتى لابسي الجينز يقف الجميع في صفوف منتظمة، البعض حفاة والآخرون بنعالهم، يتمايلون جميعًا يمينًا ويسارًا، في تناغم يبدأ هادئا ثم تتسارع حركاته؛ يبدو للناظر إليهم أنهم يرقصون، لا يشغلهم من حولهم، يرددون جميعًا عبارات مثل (الله،الله، الله) (مدد مدد مدد) (الله حي)....، من شدة التمايل والتسارع في الحركات يغيب بعضهم ذهنيًا، لا يتحكم في جسده ولا يتوقف ذكره ويسقط بعضهم على الأرض مغشيًا عليه.

تبدأ حلقات الذكر بمن نسميهم بـ"الدراويش" لابسي العمائم والأوشحة الخضراء، وسرعان ما ينضم إليهم جمع من الناس؛ شيوخًا وشبابًا وصِبية، متدينون وغير متدينين، متعلمون وأصحاب مهن وألقاب ووظائف مرموقة، مع مُتسوِّلين ودراويش وغيرهم من كل الأطياف، بل ينضم إلى تلك الحلقات أجانب وسياح يشاركونهم في حلقات الذكر.

كل تلك المظاهر تعلوها أصوات المديح والأناشيد الدينية، ممزوجة بقرع الطبول والدفوف وأصوات عزف الربابة والناي، لتشكل لوحة بديعة يحتار الناظر إليها في تفسيرها، نعم تتعجب وتقف حائرًا ناظر متأملًا، والخلاصة أنك قد تنجذب وتشارك بحلقات الذكر التي يظن البعض أنها ترياق للقلوب بل هي طوق نجاة من عالم الضلال والمعصية، هي راحة نفسية وشعور وجداني، يُطهِّر القلوب التي تُناجى ربها، وتذهب العقل عن التفكير في الهموم والأحزان، تدمع العيون وتتساقط مع الدموع هموم في النفس كامنة، لتخرج من حلقة الذكر وأنت في صفاء نفسي وسمو روحي، بل وتعب جسدي، تنام بعده هادئًا مطمئنًا مُتناسيًا هموم الدنيا ومشاكلها.

وإذا ما نظرنا الى الذِكر في المولد النبوي، نجد أطيافًا وأشكالًا من البشر تأتي إلى المولد لتتزود بلحظات من السعادة الروحانية، تكسر بها حالة الرتابة والملل في حياتها اليومية، وتتغلب بها على مآسي الدنيا ومشاكلها. فلاح بسيط يقضي موسم الزراعة والري والحصاد، أو موظف أو ثري يذهب إلى المولد مُلتمِّسًا البركة والراحة وزيارة الأولياء، والاستمتاع بالتواشيح والادعية. وطائفة أخرى من والتجار والمنتفعين، ومشايخ الطرق الصوفية، ينصبون السرادقات ويُعِدُّون الولائم، فتلك مناسبة جيدة للدعوة الى الشيخ وطريقته، و"فتَّح عينك تاكُل ملبن". وقد جسَّد بإبداع واتقان عمِّنا صلاح جاهين المولدَ في رائعته "الليلة الكبيرة" تجسيدًا بديعًا، بمزج الشخصيات وتنوعها أو باللغة العامية التي تناسب مفرداتها ومصطلحاتها هذا الحدث.

(حَلْوَى الْمَوْلِدِ)

وقبل أسابيع من يوم الاحتفال بالمولد، تُقام شوادر بيع حلوى المولد في الطرقات والميادين، وقبل ذلك بشهور تنشط مصانع الحلويات مستعدة لموسم سنوي يفيض رزقه وخيره على الجميع.

نعم أهم مظهر من مظاهر الاحتفال هو الحلوى، التي لا يخلو منها بيت، وتعد هدية يحملها المصريون عند تزاورهم، بل هي واجب لا بُد منه في "الموسم" كما يُسمِّيه المصريون، يقدما الاب والأم لبناتهم المتزوجات، والخطيب لخطيبته والأخ لإخوته، … وقد يلام من لا يقوم بأداء تلك الواجبات.

والشادر هو تعريشة من العروق الخشبية (الأعمدة) تربط ببعضها بالحبال وتمثل هيكل الشادر أو السرادق، وتسقف وتطوق من بعض جوانبها بقماش الخيامية، تتدلى منها الإضاءات والقناديل المبهرة، وتعرض بداخلها أنواع الحلوى المختلفة، السمسمية والفولية والحمصية، واللوزية والملبن بأنواعه وألوانه، واللَديدة والشَكَلَّمَة وغيرها.

أمَّا عن "عروسة المولد والحصان"؛ فقد انقرضت وحلَّت محلها عرائس بلاستيكية أو ورقية؛ أفقدتها طابعها ورونقها، فالحصان كان للأولاد الذكور والعروسة للبنات كانت تُصنع من الحلوى (الطحين والسكر) يلعب بها الصغار ثم تؤكل في النهاية كحلوى، أو تستخدمها الأمهات بالمطبخ كسكر لصنع أطباق المهلبية، وكان الصغار يتنافسون فيمن يحافظ على عروسته أو حصانة لأطول مدة ممكنة دون أن يؤكل أو يكسر.

والفاطميون هم أول من صنعوا العروسة والحصان والجمل من الحلوى في المولد.. ومنذ ذلك الحين أصبحت الحلوى من المظاهر التي ينفرد بها المولد النبوي الشريف في مصر.

ويري الدكتور سميح شعلان أستاذ الأدب الشعبي، أن الفاطميين كانوا علي وعيٍ تامٍ بمفاتيح الشخصية المصرية وأدركوا أن هذا الشعب يجنح للفرح ويحب الاحتفال.. من هنا دعموا فكرة الاحتفالات ونصبوا لها الموائد الفاخرة.

إن الاحتفال بمولد النبى «صلى الله عليه وسلم»، تحديدًا، كان من وسائل تقرب الفاطميين للمصريين حين رأى الفاطميون حب المصريين للنبي «صلى الله عليه وسلم» وآل بيته، وأنهم كانوا يحتفون ببيت النبوة بعيدًا عن الأفكار السياسية ومعاركها خارج مصر. لذلك يمكن القول إن بدء الاحتفال بمولد النبي «صلى الله عليه وسلم» بشكل رسمي كان في مصر في عهد أول الخلفاء الفاطميين في مصر، وهو المُعز لدين الله الفاطمي في نهايات القرن العاشر الميلادي. ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا الاحتفال من مفردات المصريين التي لم تنقطع عبر تاريخهم اللاحق.

 

وأخيرًا.. وبصرف النظر عمَّا نُطالعه أو نشاهده من رفض البعض لظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أقول إن المصريين قد اتخذوا الموقف الذي يتناسب مع محبتهم لرسول الله ولآل بيت النبوة حبًا خالصًا بعيدًا عن أي رأي مذهبي أو سياسي، وأن هذه الاحتفالات لن تتغير؛ فمصر ستظل تحتفل بالمولد النبوي الشريف وستظل تجمع في هذا الاحتفال مفردات ومعانٍ كثيرة من إرثها القديم وشخصيتها المتصوفة والمحبة لكل المسلمين والمتقبلة لكل الأديان والأعراف، ويظل من يحاول تغيير ذلك مثلما يقول المثل "زي اللي رجع من المولد بلا حمص"!

** كاتب وناشر مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z