زاهر بن ناصر الكويلي
الوصول إلى المناصب القيادية ينبغي أن يقوم على معايير واضحة وموضوعية، في مقدمتها الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية؛ فالمناصب ليست مكافآت شخصية، ولا ينبغي أن تكون وسيلة للمحاباة أو المجاملة أو إرضاء العلاقات، وإنما هي مواقع لخدمة العمل وتحقيق المصلحة العامة. وعندما يتم تجاوز معيار الكفاءة في اختيار القيادات، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا في فقدان أحد أهم عناصر قوتها، وهو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
ليست المسؤولية مجرد منصب أو صلاحيات تمنح لشخص، وليست مكانة إدارية تضاف إلى السيرة الوظيفية، وإنما هي مسؤولية وأمانة تترتب عليها آثار مباشرة في حياة الناس وفي أداء المؤسسات وقدرتها على تحقيق أهدافها. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة هو أن تصبح المسؤولية في يد من لا يمتلك الكفاءة أو الخبرة أو القدرة على تحمل مسؤولياتها، لأن سوء اختيار الشخص المناسب للموقع المناسب لا ينعكس على أداء فرد واحد فحسب، وإنما قد يمتد أثره إلى المؤسسة بأكملها، ويؤثر في العدالة والكفاءة والثقة العامة.
والمسؤولية حين تكون في يد غير المؤهل قد تتحول من وسيلة لتنظيم العمل إلى أداة لإرباكه. فقد يتخذ المسؤول قرارات لا تستند إلى معرفة كافية أو رؤية واضحة، وقد يضعف لديه التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، كما قد تصبح آراؤه وقراراته خاضعة للمزاجية بدلًا من أن تكون مبنية على الأنظمة والمعايير. وفي مثل هذه البيئة، لا تكون المشكلة في خطأ قرار واحد، وإنما في تكرار الأخطاء وتحولها إلى أسلوب إداري يؤثر في الموظفين والمراجعين وأصحاب المصالح.
وان من أخطر النتائج التي تنتج عن غياب الكفاءة عن مواقع المسؤولية أن يشعر أصحاب الكفاءات بأن جهودهم وخبراتهم لا تجد التقدير الذي تستحقه. فالموظف الذي يطور نفسه، ويكتسب الخبرة، ويحصل على المؤهلات، ثم يجد أن التقدم الوظيفي لا يرتبط بالكفاءة والاستحقاق، قد يفقد الدافع نحو التطوير والعطاء. والأسوأ من ذلك أن تنتشر بين الموظفين قناعة بأن الوصول إلى المناصب لا يحتاج إلى الاجتهاد بقدر ما يحتاج إلى العلاقات، وهي قناعة إذا ترسخت فإن علاج آثارها يصبح أكثر صعوبة.
العدالة الإدارية لا تعني فقط تطبيق الأنظمة على الجميع، وإنما تعني كذلك تحقيق تكافؤ الفرص وإتاحة المجال أمام أصحاب القدرات والمؤهلات للمنافسة العادلة على المواقع الوظيفية؛ فالمؤسسة العادلة هي التي لا تغلق الأبواب أمام الكفاءات، ولا تجعل التقدم الوظيفي حكرًا على فئة معينة، ولا تسمح بأن تصبح المسؤولية امتيازًا شخصيًا بعيدًا عن معايير الاستحقاق. كما أن المسؤول الكُفء لا يقاس بعدد الصلاحيات التي يمتلكها، وإنما بطريقة استخدامه لهذه الصلاحيات؛ فالقائد الحقيقي هو الذي يعرف حدود سلطته، ويحترم الأنظمة، ويستمع إلى العاملين، ويقبل الرأي الآخر، ويعترف بالخطأ عندما يقع فيه، ويعمل على تصحيح المسار بدلًا من البحث عن تبرير الأخطاء. أما المسؤول الذي ينظر إلى المنصب باعتباره مسؤولية مطلقة، فقد يحول بيئة العمل إلى مساحة من الخوف والصمت، حيث يتردد الموظفون في إبداء آرائهم أو التنبيه إلى الأخطاء، فتتراكم المشكلات بعيدًا عن الرقابة والتصحيح.
ولا يعني الحديث عن خطورة المسؤولية في يد من لا يستحق، التقليل من شأن المؤسسات أو التشكيك في العاملين فيها، وإنما هو دعوة إلى ترسيخ مبدأ إداري مهم: أن المسؤولية يجب أن تسبق الصلاحية، وأن الاستحقاق يجب أن يكون أساس الوصول إلى المواقع القيادية، كانت معايير الاختيار واضحة. وكلما خضعت التعيينات والترقيات للمنافسة العادلة والتقييم الموضوعي، زادت قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها وتعزيز ثقة المجتمع بها.
ومن المهم كذلك أن تتوافر آليات حقيقية لتقييم أداء القيادات والمسؤولين، بحيث لا يكون الوصول إلى المنصب هو نهاية عملية التقييم، بل بدايتها؛ فالمسؤول ينبغي أن يخضع لقياس مستمر لمدى نجاحه في إدارة الموارد، وتحقيق الأهداف، وتطوير الموظفين، وحل المشكلات، والالتزام بالأنظمة، والتعامل العادل مع الجميع. وإذا ثبت أن المسؤول غير قادر على أداء مهامه، فإن إعادة النظر في موقعه لا ينبغي أن تُفهم على أنها عقوبة، بل باعتبارها إجراءً مؤسسيًا يحمي المصلحة العامة ويضمن استمرار العمل بكفاءة.
كما أن المجتمعات والدول لا تتقدم بكثرة المناصب، وإنما بجودة من يشغلها. والمؤسسات الناجحة ليست التي تملك أكبر عدد من المسؤولين، وإنما التي تستطيع أن تضع الأكفأ في الموقع الذي يستطيع من خلاله أن يقدم أفضل ما لديه. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني والأنظمة والتقنيات فقط، بل في الإنسان الذي يدير هذه الموارد ويوجهها نحو تحقيق الأهداف.
وفي النهاية.. تبقى المسؤولية أمانة، وكلما اتسعت صلاحيات المسؤول اتسعت معها مسؤوليته. ومن هنا فإن منح المسؤولية لمن يستحقها ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية العدالة والكفاءة وصون مصالح المؤسسة والمجتمع. أما عندما تصبح المسؤولية في يد من لا يستحق، فإن الخطر لا يكمن فقط في القرارات الخاطئة، وإنما في فقدان الثقة، وتهميش الكفاءات، وإضعاف روح العمل، وخلق بيئة لا يجد فيها المجتهد مكانه الطبيعي.
إنَّ معيار النجاح الحقيقي لأي مؤسسة هو قدرتها على تحقيق العدالة في الفرص، والكفاءة في الأداء، والمساءلة في المسؤولية. وحين يصبح المنصب نتيجة للاستحقاق لا ثمنًا للعلاقات، وحين تصبح الكفاءة أساسًا للتقدم، فإن المسؤولية تؤدي دورها الصحيح باعتبارها وسيلة لخدمة الناس وتطوير المؤسسات، لا امتيازًا يمنح لمن لا يمتلك مقوماته.
