المحتوى المحلي.. كيف يجب أن تكون المنظومة؟

 

 

 

 

سلطان الخضوري

sultan198x@hotmail.com

في مقالات سابقة، تحدثنا عن أنَّ المحتوى المحلي ليس برنامجًا منفردًا، بل منظومة مترابطة وأيضاً بيانات تفتقر للمركزية كما إنه تتقاطع فيه عناصر متعددة مثل التوطين، والمشتريات المحلية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار، والتدريب والتأهيل. لكن الإقرار بأنَّ الأمر منظومة يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تُدار هذه المنظومة؟ وهنا يكمن الفارق الجوهري بين أن تُدار كـ "برنامج" وأن تُدار عبر "حوكمة".

فالبرنامج، بحكم تعريفه، له بداية ونهاية. له ميزانية محددة، وأهداف قابلة للقياس ضمن أفق زمني مُعين، وغالبًا ما يرتبط وجوده باستمرار فريق عمل بعينه أو التزام سياسي مرحلي. حين تنتهي الميزانية أو يتغير الفريق، يصبح البرنامج عرضة للتعثر أو التلاشي، بصرف النظر عن نجاحه أو إخفاقه. أما الحوكمة فعلى النقيض من ذلك فهي إطار مؤسسي دائم، مسنود بتشريع أو تنظيم، يحدد الأدوار والمسؤوليات بشكل واضح بين الجهات المختلفة، ويضع آليات للقياس والمساءلة تستمر بغض النظر عن الأشخاص القائمين عليها؛ كما إن الحوكمة لا "تنتهي" لأنها ليست مشروعًا، بل هي الطريقة التي تُدار بها المنظومة على الدوام، كما عرفته (منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي من تسعينيات القرن الماضي).

لكن إذا اتفقنا على أنَّ المحتوى المحلي منظومة، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يحكم هذه المنظومة؟

الحوكمة في المحتوى المحلي لا تعني إضافة لجنة أو لجان جديدة أو اجتماعًا دوريًا بين الجهات، وإنما تعني وجود مرجعية وطنية واضحة تستطيع أن ترى الصورة كاملة وفق دليل مؤسسي محوكم، وتربط بين السياسات، وتحدد الأولويات، وتتعامل مع التعارض بين المستهدفات، وتتابع النتيجة النهائية.

الحوكمة الفاعلة تحتاج إلى وضوح في المسؤولية، فإذا كانت هناك سياسة وطنية للمحتوى المحلي؛ فمن المهم أن تكون هناك جهة تستطيع متابعة تنفيذها على مستوى الدولة، وليس فقط على مستوى كل برنامج. وتكون مهمتها التنسيق بين الجهات، وتحديد الفجوات، ومتابعة المؤشرات، ورفع التقارير، واقتراح الحوافز، ومعالجة التعارضات التي قد تظهر بين الجهات المختلفة، فالمنظومة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنفذ كل شيء من خلال جهة واحدة، ولكنها تحتاج إلى أن تُدار من خلال رؤية واحدة (وقد أثبتت الدراسات في دول طبقت سياسات المحتوى المحلي مثل نيجيريا وغانا) بأن ضعف العلاقات بضعف تبادل المعلومات والتنسيق والتعاون، واعتبرت أن تحقيق أهداف المحتوى المحلي يحتاج إلى شبكة مترابطة من أصحاب المصلحة.

أرى أن الحوكمة الفعالة للمحتوى المحلي تتطلب بعض العناصر الأساسية مثل:

أولًا، تعريف الأدوار بدقة. من يملك قرار التصنيف بين المورد والمصنّع على سبيل المثال لا الحصر؟ من الجهة المسؤولة عن ربط احتياجات المشاريع الكبرى بالقدرات التصنيعية الوطنية؟ غياب هذا التعريف يجعل كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى، كما أشرنا سابقًا حين تحدثنا عن التوظيف والمؤسسات الصغيرة والاستثمار كمسارات منفصلة رغم أنها يجب أن تتكامل.

ثانيًا، بنية بيانات موحدة وقابلة للمساءلة. لا يمكن لأي حوكمة أن تعمل دون قاعدة معلومات مركزية يُرجع إليها الجميع، بدل منصات متفرقة تحمل كل منها نسخة والية. هذه ليست مسألة تقنية، بل شرط لصنع قرار موضوعي.

ثالثًا، حوافز مرتبطة بمؤشرات أداء، لا بمجاملات. الحوافز التي ناقشناها سابقًا - من إعفاءات ورسوم - يجب أن تكون جزءًا من نظام حوكمة يقيس الأثر الفعلي، لا أن تُمنح كاستجابة آنية لضغط ظرفي.

وفي الختام.. نستطيع القول إنَّ المحتوى المحلي- كمنظومة- يستحق أن يُدار بما يليق بحجمه: لا كمبادرة تُطلق وتُقيَّم ثم تُنسى، بل كإطار حوكمة دائم يوزّع الأدوار، ويوحّد البيانات، ويربط الحوافز بالنتائج. حين يتحقق ذلك، يتحول الحديث عن "تعظيم أثر المحتوى المحلي" من شعار مرحلي إلى واقع مؤسسي راسخ، لا يتأثر بتغيّر الأشخاص أو انتهاء الميزانيات.

الأكثر قراءة

z