(الْحِسّ النّفسِي الْمُؤثّر في الآخَرين)
حمد الناصري
إنّ وعي الإنسان لا ينعزل عن مُحيطه، بل يتماسّ معه في كل لحظة؛ فالفشل ليس مرضاً ينكفئ داخل صاحبه فحسب، بل هو "حِس نفسي مُؤثر" يتسلل إلى الآخرين، فيبث في فضائهم طاقة التعطيل، ويطمس ما لديهم من بواعث الحركة الدافعة كقوة حقيقية نحو النجاح.
إذن نقول إنّ الفشل طاقة نفسية تتعطّل إذا لم تُستغل استغلالاً أمثل أو بطريقة صحيحة؛ فمثلاً الغضب شعورٌ فيه خيبة صارخة فاقدة للأمل، وفقدان الأمل طاقة مُعَطّلة. فإن كان أحدنا لم يجد حِسّاً نفسيّاً مُؤثّراً من الآخرين، فإنّ طاقته السلبية سوف تزداد وتتضاعف إلى حد الغضب الذي يَضُر بنفسه وبحاله، ويهدم كل جميل ظاهراً وباطناً فيه.
ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في توجيهه الحركي الذي رواه أبو ذر الغفاري ودونه الإمام أبو داود في "سننه": "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع". وطاقة التبديل الحركية هنا تكمن في التغيير الحِسي المؤثّر؛ إذ إنّ الانتقال الجسدي يكسر احتباس الروح ويُحرر طاقة التعطيل الكامنة في الغضب.
وهذا المفهوم يُطابق في بُعده الاجتماعي ما أسسه الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون عام 1895م، عبر أطروحته "سيكولوجية الجماهير"، والتي نقلها إلى اللسان العربي المترجم والمفكر المصري الكبير أحمد فتحي زغلول، حيث قرر قوله: "إن الأفكار والمشاعر، وبخاصة المُحبطة منها، تملك قوة عدوى هائلة تجعل الأفراد يتنازلون عن وعيهم الفردي لينساقوا خلف خمول المجموع".
وهذا القول يتطابق مع الحِس النفسي المُؤثر في الآخرين؛ أي أنّ العزيمة تفتر وترتخي وينساق المرء وراء عجز يصدمه، فإنّ طاقته الحقيقية تقع في مَغرم الكسل والتواكل، ظناً منه أنّ الإحباط تعطيل حَتمي. وفي هذا السياق الروحي، جاء عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: "إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحِكمة". أي أنّ القلوب تتعرّض للتعب والرّهق، وأنّ استمرار السّأم قد يُذهب النشاط الداخلي لحركة النفس اللطيفة؛ فالنفس ليست قاسية، وهذا ما سوف نتعرّض له لاحقاً حول النفس والروح النقية، في كينونة خلقها ليست قاسية.
وفي هذا السياق، حَلّل عالم الاجتماع والمفكر العربي التونسي ابن خلدون، عام 1377م، عبر موسوعته الخالدة "المُقدمة" هذا السلوك الاجتماعي، في قوله: "إن النفس إذا داخَلَها العجز والكسل، واعتادت على الاتكال، سقطت بواعث حركتها، وذهبت منها هيبة الإنتاج، وقعَد بها الخُمول عن التماس الرزق".
ومن هذا القول في السلوك الاجتماعي، فإنّا نرى أنّ منطق الحماية والتحرير يُوجب الوعي الدافع؛ وحركة الوعي الدافع ترفع الإنسان من عُتمة الإحباط إلى سَعي ناشط بالأمل، وبذلك تنقلب طاقة التعطيل إلى حركة إنتاج. وهُنا نحن لا نتحدّث عن الفشل في كينونته الفردية المُلامسة للخمول ولكنّا نتحدث عن الْتماس المَنشط؛ فالملل والكسل والخمول "عدوى نفسية" قد تُؤثر حالتها على الآخرين حين يَبثها شخص مُحبط في مُحيط لا يقود إلى وعي حِسي مؤثّر دافع إلى تنشيط حالته، ويكون الحال أقوم إذا وجد المَنشط الدافع لتعزيز طاقة التعطيل وتحويلها إلى طاقة إيجابية.
كما فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع "حاطب الفأس"؛ فماذا فعل النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أعاد تشغيل الطاقة النفسية المحبوسة بطريقة بثّ ذبذبات المَنشط الدافعة إلى عملية موجبة إنتاجية.
خُلاصة القول: إنّ الطاقة النفسية المُعطلة داخل الإنسان لا تحتاج إلى وعظ جاف أو إحسان عابر يزيد من وطأة قعودها، بل تحتاج إلى "ذبذبة مُنشطة" تضرب على أوتار حركته اللطيفة. وقصّة الأنصاري وحاطب الفأس في المدينة المنورة لم تكن مجرد سَعي وراء رزق، بل كانت تفكيكاً عملياً لجرثومة الكسل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُغَيّر جغرافيا المكان للرجل، بل شدّ عزم يده وأصلح فأس حركته، ليبث في مُحيطه حِساً نفسياً دافعاً يُقَلّب التعطيل إلى عملية إنتاجية موجبة.
لذلك، وجب علينا إذا أردنا حِماية طاقاتنا من عَدوى خمول الآخرين، أن نبتغي لقلوبنا طرائف الحِكمة التي تطرد السأم، ونُثبت قدراتنا بالانتقال والتبديل الحركي الفعلي، تماشياً مع طُهر كينونة النفس ونقائها؛ فالحال لا يكون أقوم بالجُمود والتواكل، بل بهبّة الوعي الدافع الذي يصنع النجاح ويطرد عتمة الإحباط.
* هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة معَطّلة".
