خالد بن محمد الجابري
حين نتحدث عن ظفار اليوم، فإننا لا نتحدث فقط عن جمال الطبيعة وسحر الخريف، بل عن محافظة تشهد تحولًا تنمويًا واضحًا، أصبحت ملامحه حاضرة في طرقها ومرافقها ومواقعها السياحية وفعالياتها ومستوى النظافة والتنظيم فيها.
وما شهده خريف ظفار هذا العام من نقلة نوعية لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة ما توليه حكومتنا الرشيدة من اهتمام ودعم لمسيرة التنمية في مختلف محافظات وولايات سلطنة عُمان، إلى جانب الجهود والمتابعة الحثيثة من صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار، وسعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني رئيس بلدية ظفار، وأصحاب السعادة الولاة، وكافة المسؤولين والجهات والكوادر الميدانية القائمة على تنفيذ ومتابعة هذه الأعمال. وهي جهود تستحق الشكر والتقدير لما أحدثته من أثر ملموس في جودة الخدمات وجمال المكان وتجربة الزائر.
ولعل من أبرز ما يلمسه الزائر هذا العام الاهتمام الواضح بتطوير وازدواجية الطرق، وتحسين الحركة المرورية، وتهيئة المواقع السياحية وتجميل المرافق العامة، إلى جانب تنوع الفعاليات والأنشطة والاهتمام الكبير بالنظافة العامة وانتشار فرق النظافة في مختلف المواقع التي تشهد كثافة من الزوار. كما أن تنوع الفعاليات والمواقع الترفيهية أسهم في إيجاد خيارات أوسع أمام الزائر وتوزيع الحركة السياحية على مواقع متعددة، وهو توجه مهم ينبغي البناء عليه وتطويره عامًا بعد عام.
ومع هذا التطور اللافت، تبقى بعض الملاحظات التي نطرحها من باب الحرص على استدامة النجاح، ومن أهمها ضرورة تكثيف الرقابة الصحية على الأكشاك والمنافذ الغذائية المؤقتة المنتشرة بالقرب من العيون والمواقع السياحية، خصوصًا في طريق عين صحلنوت وعين حمران وغيرها.
وهذه الأكشاك تمثل نشاطًا اقتصاديًا موسميًا جيدًا وتوفر خدمات يحتاج إليها الزائر، إلا أنه يلاحظ أن بعض الأطعمة يتم إعدادها مسبقًا في مساكن أو مواقع أخرى، ثم تنقل في حافظات إلى الأكشاك ليتم عرضها وبيعها.
ومن هنا تأتي أهمية ألا تقتصر الرقابة على موقع البيع، وإنما تمتد إلى مصدر إعداد الطعام وطريقة تجهيزه وحفظه ونقله، والتأكد من استيفاء الاشتراطات الصحية وسلامة المواد المستخدمة ودرجات الحفظ المناسبة، حفاظًا على صحة وسلامة الزوار، وحماية كذلك لأصحاب الأنشطة الملتزمين بالاشتراطات.
إن الجهود الكبيرة المبذولة في مجال النظافة والعناية بالمواقع السياحية تستحق التقدير، ولكن المحافظة على نظافة ظفار لا يمكن أن تكون مسؤولية الجهات المختصة وعمال النظافة وحدهم؛ فمهما تم توفيره من عمال وحاويات وخدمات، يبقى وعي الزائر وسلوكه العامل الأهم. ومن هنا أرى أهمية تكثيف المقاطع التوعوية القصيرة والجذابة عبر منصات التواصل الاجتماعي والشاشات في الفعاليات والمواقع السياحية، لترسيخ ثقافة عدم ترك المخلفات، والتخلص السليم من بقايا الشواء والفحم، والمحافظة على الأشجار والمسطحات الخضراء والمرافق العامة.
ويمكن أن تحمل هذه الجهود رسالة بسيطة ومعبرة: "ظفار جميلة بكم.. فحافظوا عليها".
ومن الجوانب التي تستحق اهتمامًا أكبر في المرحلة المقبلة المحافظة على المواقع السياحية في ظفار خلال موسم الخريف وفي غير موسم الخريف؛ فالمحافظة تمتلك من المقومات الطبيعية ما يؤهلها لأن تكون وجهة سياحية جاذبة على مدار العام.
ويأتي وادي دربات في مقدمة هذه المواقع، لما يتمتع به من طبيعة فريدة وأشجار ومسطحات خضراء ومجرى مائي يجعله من أجمل المواقع الطبيعية في المحافظة.
ومن المهم التفكير في خطة متكاملة للمحافظة على الوادي وبيئته الطبيعية طوال العام، ومن ذلك فصل المناطق والأشجار القريبة من مجرى المياه بسياج مناسب يحميها من دخول الحيوانات والرعي المباشر، على أن يتم ذلك بصورة مدروسة تحافظ على المشهد الطبيعي وتراعي في الوقت نفسه مصالح مربي الثروة الحيوانية.
كما يمكن إنشاء منظومة ري مستدامة للأشجار والنباتات القريبة من مجرى المياه، بما يسهم في المحافظة على خضرتها بعد انتهاء موسم الخريف، مع الاهتمام بالتشجير بالنباتات والأشجار الملائمة للبيئة المحلية.
إن تطوير وادي دربات بهذه الصورة يمكن أن يجعله مزارًا سياحيًا طوال العام، ويفتح المجال أمام خدمات وأنشطة سياحية مستدامة، ويوفر فرصًا اقتصادية إضافية لأبناء المحافظة.
ويمكن أن تمتد هذه الرؤية إلى العيون والأودية والمواقع الطبيعية الأخرى، بحيث ننتقل تدريجيًا من مفهوم «سياحة الخريف» إلى «سياحة ظفار طوال العام».
إنَّ ما تحقق في محافظة ظفار وما شاهدناه خلال خريف هذا العام يدعو إلى الفخر ويستحق الإشادة، ويؤكد أن العمل المنظم والمتابعة المستمرة والتكامل بين مختلف الجهات قادر على إحداث نقلة يلمسها المواطن والمقيم والزائر.
ومن الواجب هنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى حكومتنا الرشيدة على ما توليه من اهتمام ودعم لمسيرة التنمية، وإلى صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد، محافظ ظفار، وسعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار، وأصحاب السعادة الولاة في ولايات المحافظة، وإلى كافة المسؤولين والجهات الحكومية والأمنية والخدمية، والفرق الميدانية وعمال النظافة، وكل من يعمل خلف الكواليس وفي الميدان لخدمة المحافظة وزوارها.
هؤلاء جميعًا شركاء فيما نراه اليوم من تطور وتنظيم وجمال، ومن الإنصاف أن نقدر جهودهم، وفي الوقت نفسه نطرح ملاحظاتنا ومقترحاتنا بروح إيجابية تسهم في استكمال مسيرة التطوير.
وأخيرًا.. ظفار تمتلك كل المقومات لتكون وجهة سياحية على مدار العام، وما نحتاج إليه هو المحافظة على جمالها، واستثمار طبيعتها بحكمة، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، حتى تتحول النقلة النوعية التي نشهدها اليوم إلى تنمية سياحية مستدامة تزداد جمالًا وتألقًا عامًا بعد عام.
