عبيد بن حمدان بن عبدالله المعمري
حين يغفو وجه الصحراء على مهاد من سكون عميق، وتتهادى في أفقها أطياف الإبل كأنَّها قصائد مشدودة على وتر الوجد، يتناغم صفاء البادية مع نبض التاريخ العماني المُفعم بالحياة، ليخطّ على أديم الأرض أسطورة وفاء لا تنتهي بين الإنسان العماني وناقته، تلك السفن البرية التي طالما شكلت مع الرمال لحنًا أزليًا من الصبر، والشهامة، والاعتزاز بالهوية. وحين تقبل الإبل بخيلاء العز، يتقوس الزمن هيبةً وإجلالًا، لتلتقي خيوط الماضي العريق بنبض الحاضر المزدهر في لوحتين فلكلوريتين تنبضان بالسحر والأصالة: "ركض عرضة الهجن" و"مزاينة الإبل".
إن الإبل ليست مجرد دواب تسكن القفار، بل هي أيقونة للصمود ومخزن حي للذاكرة العربية الأصيلة؛ فهي الكائن النبيل الذي قاوم قسوة الطبيعة فبادلها الإنسان العماني حبًا بحب، ووفاءً بوفاء، حتى صارت سلالاتها عنوانًا للرفعة والجاه. وفي ميسرة هذا الإرث، تبرز "هجن العرضة" بذروة سنام الفخر؛ إذ تتميز هذه المطايا بتركيبة جسدية فريدة تجمع بين صلابة البنية، وسرعة البديهة، والجسارة العالية، والقدرة الاستثنائية على التناغم الفائق مع إشارات راكبها في لحظات الكرّ والفر بالميدان، حاملةً في أبدانها طاقة متفجرة من الحيوية والجمال الرياضي الخالص.
في الساحات الممتدة حيث تتمازج رمال البادية بزرقة السماء، تبرز طقوس "ركض العرضة" كلوحة بصرية مفعمة بالحماس والإثارة. ولا يُعد هذا الفن سباقًا تقليديًا لبلوغ خط النهاية، بل هو استعراض مهيب للثقة المطلقة والتناغم الحيوي البديع بين الراكب وناقته. وتتألق في ميدان العرضة نخبة المطايا المنتقاة بعناية فائقة من شتى الأعمار والفئات التي تكتنز بالقوة والمنعة، متسلحةً بلياقة بدنية عالية تدربت طويلًا على يد مالكها الذي يغدق عليها من رعايته واهتمامه ما يوثق عرى الألفة والمحبة بينهما. ويتركز هذا الإرث العريق في ربوع البادية والولايات التي توارث أبناؤها هذا الفن كابرًا عن كابر، جنبًا إلى جنب مع الميادين العريقة التي تضج بالحياة. وقبيل لحظة الانطلاق، يمتلئ الفضاء بالأهازيج العمانية العريقة المرتبطة بهذا الفن الأصيل، وفي مقدمتها فن "همبل البوش" والتغرود، وغيرها من الفون التقليدية المرتبطة بهذا ألأرث العريق.
ويرتنم الهجانة تلك الفنون الحماسية بقلوب عامرة بالفخر، كأنهم يخاطبون روح الناقة ويهدئون وثبتها بأصواتهم البدوية العذبة. وما إن تُعطى إشارة الانطلاق حتى تندفع الإبل متجاورة متلاحمة الأكتاف في مشهد يخطف الألباب، حيث يمسك الركاب بأعنة مطاياهم دون سروج في كثير من الأحيان، عاكسين توازنًا استثنائيًا وبراعة فائقة، تتبعها صيحات حماسية تملأ الفضاء حياةً وألقًا.
وتتألق هذه العروض البديعة في أبهى صورها خلال المناسبات الوطنية الغالية كاليوم الوطني المجيد، والأعياد الدينية المباركة، والاحتفالات الرسمية، إلى جانب الأعراس والمناسبات الاجتماعية التي تشهد تلاحمًا فريدًا واجتماعًا للملاك والمضمرين، لتعكس هذه التجمعات عمق التلاحم الاجتماعي وتأصيل روح المروءة والكرم والأخوة المتأصلة في وجدان المجتمع العماني.
ولا يقل عالم "مزاين الإبل" سحرًا وبهاءً عن ركض العرضة؛ فهو مهرجان عظيم للجمال الخالص والمعايير الدقيقة التي ترتسم على أبدع ما خلق الخالق في صفات "الأصايل". تقف لجان التحكيم أمام أسراب من النوق التي تحمل أسماء أعرق السلالات العمانية، لتتفحص بتمعن تفاصيل الرأس الشامخ، واتساع الأذنين، وعرض الرقبة المنتصبة، وامتداد السنام، واستقامة الظهر، وقوام الساقين.
هذه المنافسات لا تمثل مجرد استعراض شكلي للجمال، بل هي مرآة لوعي عميق بأنساب الإبل وحرص بالغ على صيانة نقاوتها الجينية، فضلًا عن كونها أسواقًا كبرى ومزادات تتداول فيها الصفقات وتُرصد لها جوائز قيمة؛ إذ تحظى الهجن المشاركة في مسابقات المزاينة بتقدير رفيع وجوائز ضخمة تحمل في طياتها دلالات عميقة على المكانة العالية التي توليها الدولة والمجتمع لهذا الموروث الأصيل، معززةً التنافس الشريف بين الملاك للظفر بناموس الفوز.
يستند هذا العشق العريق للإبل إلى رعاية سامية واهتمام واسع واستثنائي، يتجسد في التوجيهات الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- القاضية بصون هذا الموروث التاريخي وتعزيز مكانته.
وعلى هذا النهج المنيف تنهض الجهود الحكومية والمؤسسية، ممثلة في شؤون البلاط السلطاني- الهجانة السلطانية- والاتحاد العماني لسباقات الهجن، وتوفير الميادين المهيأة بأحدث التجهيزات، وإنشاء العيادات البيطرية المتخصصة لضمان صحة وسلامة المطايا واستدامة موروثها. ويتكامل هذا الدور الرسمي المنيع مع شغف شعبي واسع واهتمام بالغ من ملاك الهجن ومضُمروها الذين يقفون كحراسة أمينة تحمي جذور هذا الموروث من عواصف النسيان، يكرسون أوقاتهم لرعاية المطايا واختيار أجود الأعلاف ومتابعة التدريب المستمر بجهد لا يكل ولا يمل، وفاءً لأجدادهم ورغبة صادقة في توريث هذا العشق النبيل للأجيال الناشئة.
هكذا تظل الإبل في سلطنة عمان واحة غناء، وسنامًا للمجد، ورمزًا خالدًا للشموخ، يروي فيها الإنسان العماني حكايته السرمدية مع الأرض، مسطرًا ملاحم الأصالة في أزهى صورها وأبدع معانيها، لتظل راية المجد خفاقة على صهوة العز والوفاء.
