ناصر بن حمد العبري
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة أبنائنا اليومية، ترافقهم في المنزل والمدرسة وأوقات الفراغ، وتؤثر بصورة مباشرة في أفكارهم وسلوكياتهم وطريقة نظرتهم إلى الحياة والمجتمع. وبينما لا يمكن إنكار ما تقدمه هذه المنصات من فوائد معرفية وتواصلية، فإن ما يطفو على بعضها من محتوى غير لائق ومشاهد خادشة للحياء وسلوكيات تتنافى مع قيم الأسرة والمجتمع يستدعي وقفة جادة ومسؤولة.
ومن هنا يأتي السؤال: هل أصبحت بعض منصات التواصل، وفي مقدمتها إنستجرام، في قفص الاتهام؟
القضية ليست اتهام منصة بعينها بأنها مسؤولة عن كل ما يحدث، وإنما الحديث عن طبيعة المحتوى الذي قد يصل إلى أبنائنا بسهولة، وعن خوارزميات تقترح المزيد من المواد المشابهة لما يشاهده المستخدم ويتفاعل معه. ومع تكرار التعرض لمحتوى غير مناسب، قد يتحول الأمر من مشاهدة عابرة إلى اعتياد، ثم إلى تطبيع مع سلوكيات ومظاهر كانت الأسرة ترفضها في السابق.
والأخطر أن أبناءنا، خصوصًا في سن المراهقة، ما زالوا في مرحلة بناء الشخصية وتكوين القناعات، ولذلك فإنَّ ما يشاهدونه باستمرار قد يترك أثرًا في أفكارهم ومفاهيمهم عن العلاقات والقيم والمظهر والسلوك. وقد يصبح بعض المحتوى المنتشر معيارًا زائفًا لما هو طبيعي أو مقبول اجتماعيًا.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة قبل أي جهة أخرى؛ فالأب والأم لا يستطيعان إغلاق أبواب العالم الرقمي، لكنهما يستطيعان أن يكونا الحصن الأول لأبنائهما من خلال الحوار والتوجيه والمتابعة الواعية. الرقابة الأسرية ليست تجسسًا، وإنما مسؤولية، والحوار مع الأبناء ليس تقييدًا لحريتهم، بل وسيلة لحمايتهم وتعليمهم كيفية التعامل مع العالم الرقمي بوعي ونضج.
ولا ينبغي أن ننتظر وقوع المشكلة حتى نبدأ بالبحث عن الحلول. فالتربية الرقمية يجب أن تبدأ مبكرًا، من خلال تعليم الأبناء عدم الوثوق بكل ما يشاهدونه، وعدم تقليد المؤثرين دون تفكير، وعدم مشاركة الصور أو المعلومات الشخصية، والإبلاغ عن المحتوى المسيء، والابتعاد عن الحسابات التي تقدم محتوى يتعارض مع القيم والأخلاق.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المدرسة والمجتمع والمؤسسات المختصة والمنصات الرقمية نفسها. فحماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الضار تتطلب أدوات أكثر فاعلية للرقابة العمرية، وخيارات واضحة للآباء، وتشجيعًا للمحتوى الهادف الذي يسهم في بناء جيل واعٍ بدلًا من استغلال أعمارهم واهتماماتهم لجذب المزيد من المشاهدات والتفاعلات.
إنَّ التقنية ليست عدوًا، ووسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا؛ المشكلة تبدأ عندما تغيب التربية ويضعف الوعي ويصبح الهاتف هو المربي الحقيقي للأبناء، وعلينا أن ندرك أن أبناءنا أمانة، وأن تركهم لساعات طويلة أمام شاشات مفتوحة على كل شيء ليس حرية، بل مسؤولية مؤجلة. نريد لأبنائنا أن يستخدموا التقنية، لا أن تستخدمهم التقنية؛ وأن يكونوا قادرين على اختيار ما ينفعهم، ورفض ما يسيء إلى قيمهم وأخلاقهم.
إنستجرام في قفص الاتهام، نعم، ولكن الاتهام الأكبر يجب أن يوجه إلى غياب الوعي والرقابة والتربية الرقمية؛ فلنقترب من أبنائنا أكثر، ولنسمعهم قبل أن تسمعهم المنصات، ولنحاورهم قبل أن تشكل الخوارزميات أفكارهم. فالمحتوى قد يتغير بضغطة زر، لكن القيم التي نغرسها في أبنائنا هي التي تبقى.
وأخيرًا.. أبناؤنا أمانة وحمايتهم مسؤولية الأسرة والمجتمع، ومستقبل الوطن يبدأ من أخلاق أبنائه.
