الرؤية- سارة العبرية
يُمثل الحوت الأحدب في بحر العرب واحدا من أكثر مجموعات الحيتان ندرةً وعزلةً في العالم؛ إذ لا يتجاوز عدد أفراده في المياه قبالة سواحل سلطنة عُمان نحو82 حوتًا وفق أحدث تقدير علمي منشور في عام 2026، مع نطاق إحصائي يتراوح بين 60 و111 حوتًا. ويصنّف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) هذه المجموعة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض (Endangered)، فيما تُحذر خطط الحماية الدولية من أنها تسير باتجاه خطر الانقراض إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
وتكمن خصوصية هذه الحيتان في سلوكها غير المعتاد مقارنة بمعظم مجموعات الحوت الأحدب حول العالم؛ فهي لا تقوم بالهجرة الموسمية الطويلة بين مناطق التغذية في المياه الباردة ومناطق التكاثر في المناطق المدارية، وإنما تعيش على مدار العام في بحر العرب. وتشير الدراسات الجينية إلى أنها مجموعة متميزة وراثيًا، وربما انفصلت عن مجموعات الحوت الأحدب الأخرى في المحيط الهندي قبل نحو 70 ألف عام، ما يمنحها أهمية استثنائية من الناحيتين العلمية والتطورية، كما تشير دراسة بحثية منشورة في Frontiers in Marine Science عام 2026 إلى أن أفراد المجموعة يستخدمون نطاقًا جغرافيًا محدودًا نسبيًا على امتداد الساحل العُماني، مع تسجيل أول حركة طويلة المدى لأحد الحيتان عبر بحر العرب، بما يشير إلى احتمال وجود موائل مُهمة أخرى خارج نطاقها المعروف حاليًا.
وتُعد المياه العُمانية من أهم المناطق المعروفة لوجود هذه المجموعة، ولذلك أصبحت سلطنة عُمان خلال أكثر من عقدين مركزًا رئيسيًا للأبحاث المتعلقة بها. وتؤكد هيئة البيئة أن الدراسات العلمية للحيتان الحدباء في بحر العرب قبالة سواحل السلطنة مستمرة منذ عام 2000، في حين أُدرجت المجموعة رسميا على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة عام 2008.
وتُبرز أهمية خليج مصيرة والمياه البحرية المحيطة به بصورة خاصة؛ إذ حددت اللجنة الدولية لصيد الحيتان هذه المنطقة باعتبارها من أهم الموائل المعروفة للحيتان الحدباء في بحر العرب. وذكرت الأبحاث أن المخاطر في هذه المنطقة لا تقتصر على عامل واحد، وإنما تشمل التشابك في معدات الصيد، واصطدام السفن، وتدهور الموائل، والضوضاء تحت الماء، وزيادة حركة الملاحة، إلى جانب أنشطة التنقيب عن النفط والغاز والتغير المناخي.
وتكشف الدراسات الميدانية عن حجم خطورة مُعدّات الصيد على هذه المجموعة؛ فقد أظهرت دراسة عن الحيتان في عُمان أن علامات الإصابات على منطقة السويقة الذيلية تشير إلى أن نحو 30% إلى 40% من الحيتان التي جرى التعرف إليها يُحتمل أن تكون قد تعرضت للتشابك مع معدات الصيد. ويعكس ذلك حساسية المجموعة، خصوصًا مع انخفاض أعدادها إلى عشرات الأفراد فقط.
أهمية بيئية نادرة
لا تقتصر أهمية الحوت الأحدب على كونه نوعًا بحريًا مهددًا بالانقراض؛ بل يرتبط وجود الحيتان عمومًا بعمليات أساسية في النظم البحرية. وتشير اللجنة الدولية لصيد الحيتان إلى أن الحيتان تسهم في دورة المغذيات والإنتاجية البحرية من خلال ما يعرف بـ"مضخة الحوت"؛ إذ تساعد حركتها بين الأعماق وسطح البحر في نقل عناصر مثل الحديد والنيتروجين إلى الطبقات السطحية، حيث تستفيد منها العوالق النباتية.
كما تؤدي الحيتان دورًا في تخزين الكربون؛ فالأجسام الضخمة للحيتان تختزن كميات كبيرة من الكربون خلال حياتها، وعندما تموت بعض الحيتان وتهبط أجسامها إلى قاع المحيط، يمكن أن ينتقل الكربون إلى أعماق البحر. وتذكر اللجنة الدولية لصيد الحيتان أن التقديرات التي استندت إليها دراسة لصندوق النقد الدولي قُدّرت متوسط ما يخزنه الحوت الكبير بنحو 33 طنًا من الكربون، مع التأكيد على أن تقدير مساهمة الحيتان في دورة الكربون لا يزال مجالًا بحثيًا قيد التطوير.
وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الحوت الأحدب في بحر العرب هو جزء من حماية التنوع الحيوي والتوازن البيئي للمنظومة البحرية، خاصة أن اختفاء مجموعة صغيرة ومعزولة وراثيًا قد يعني خسارة جزء فريد من التنوع الجيني للحيتان الحدباء على مستوى العالم.
بحث علمي ممتد
أسهمت سلطنة عُمان في بناء قاعدة علمية مُهمة حول هذه المجموعة من خلال المسوحات البحرية، والتعرف على الأفراد بالصور، ودراسة الجينات والحركة والموائل. وفي دراسة حديثة استخدمت أجهزة تتبع بالأقمار الصناعية، جرى تركيب14 جهاز تتبع على حيتان حدباء في بحر العرب قبالة سلطنة عُمان بين عامي2014 و2017، وبلغ إجمالي مدة تتبع الأفراد 749 يومًا، مع جمع 484 يومًا من بيانات استخدام الأعماق، حيث ساعدت هذه البيانات الباحثين على فهم المناطق التي تستخدمها الحيتان وأنماط حركتها بصورة أكثر دقة.
كما شارك باحثون ومؤسسات عُمانية في أبحاث دولية حديثة حول الخصائص الوراثية لهذه المجموعة؛ ومن بين الباحثين المشاركين في دراسة عام 2026 من هيئة البيئة وجمعية البيئة العُمانية إلى جانب باحثين من مؤسسات دولية، ما يوضح اتساع نطاق التعاون العلمي حول هذه الحيتان.
واستضافت مسقط في27 مايو 2025 ورشة إقليمية متخصصة حول إدارة وحماية وصون حيتان بحر العرب الحدباء، نظمتها هيئة البيئة بالتعاون مع جمعية البيئة العُمانية وشركة Future Seas، وبدعم من اللجنة الدولية لصيد الحيتان (IWC)، وبمشاركة خبراء وباحثين دوليين وممثلين عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وجاءت الورشة استكمالًا للجهود التي بدأت في لقاء عام 2022، واستهدفت تعزيز التعاون الإقليمي بين سلطنة عُمان والهند لوضع إطار مشترك لخطة إدارة حماية وصون الحيتان (CMP). وتتركز الخطة على تعزيز البحث العلمي، وخفض التهديدات، ورفع الوعي، ووضع أهداف قابلة للتنفيذ لتحسين الوضع البيئي للمجموعة.
وشملت المناقشات في مسقط التهديدات المرتبطة بحركة سفن الشحن، والتنقيب عن النفط، ومصائد الأسماك، خصوصًا في خليج مصيرة، مع بحث آليات التعاون بين عُمان والهند والدول الأخرى المطلة على بحر العرب. كما استهدفت الورشة إعداد مسودة أولية لخطة إدارة إقليمية، وتشكيل لجنة تنسيقية تضم ممثلين عن عُمان والهند وشركاء دوليين، إلى جانب بحث اتفاق تعاون غير ملزم بين البلدين لحماية الحيتان.
خطة دولية
ويمتد التعاون العُماني إلى منظومتين دوليتين رئيسيتين هما اللجنة الدولية لصيد الحيتان (IWC) واتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS). وقد عمل الطرفان على تطوير خطة إقليمية مشتركة لحماية حيتان بحر العرب الحدباء، بعد سلسلة من إجراءات "العمل المنسق" التي استهدفت الوصول إلى خطة إدارة متكاملة.
وفي عام 2025، عقدت ورشة العمل في عُمان بمشاركة الباحثين والحكومات والمنظمات المدنية وقطاعي الملاحة والصناعة، وأسهمت في تحديد أولويات الخطة، ومنها تقليل مخاطر التشابك ومخاطر اصطدام السفن، وتعزيز الرصد العلمي، وتحسين التنسيق الإقليمي. ووفق وثائق CMS، جرى بعد الورشة تداول مسودة منقحة لخطة الإدارة مع حكومة سلطنة عُمان والدول المعنية، على أن تمر الخطة بمراحل اعتماد لدى هيئات CMS وIWC، مع استهداف عرضها على اجتماع اللجنة الدولية لصيد الحيتان في نوفمبر 2026.
كما أوصت اللجنة العلمية التابعة للجنة الدولية لصيد الحيتان في 2024 بمواصلة جمع بيانات التعرف بالصور والبيانات الجينية، وتحديث نماذج تقدير أعداد الحيتان واتجاهات المجموعة، والاستمرار في الرصد الصوتي السلبي قبالة سواحل عُمان والهند وتوسيعه إلى مناطق أخرى محتملة لانتشار الحيتان.
حماية للبحر العُماني
ومع وجود أقل من 100 حوت في المجموعة، تُصبح أي حالة نفوق أو فقدان بسبب الأنشطة البشرية ذات تأثير أكبر على مستقبلها مقارنة بالمجموعات الكبيرة. ولذلك تركز جهود الحماية على تقليل مخاطر التشابك في معدات الصيد، والحد من احتمالات اصطدام السفن، وحماية مناطق التغذية والموائل المهمة، وتحسين المعرفة العلمية بحركة الحيتان، إضافة إلى مراعاة تأثير الأنشطة البحرية والتنمية الساحلية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية أكبر في ظل تزايد الضغوط على البيئة البحرية؛ إذ تشير خطة الحماية المشتركة لـIWC وCMS إلى أن التشابك، واصطدام السفن، والضوضاء تحت الماء، وتدهور الموائل والتغير المناخي تمثل مجموعة من أبرز التهديدات التي تواجه الحيتان الحدباء في بحر العرب. وتؤكد الخطة أن حجم المجموعة الحالي، إلى جانب الأدلة على الوفيات والضغوط المتزايدة، يبرر اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنب مسار الانقراض.
ولا تقف جهود سلطنة عُمان عند حدود الرصد المحلي، وإنما تتجه نحو بناء منظومة إقليمية ودولية للحماية تجمع بين البحث العلمي، والتعاون مع الهند والدول المطلة على بحر العرب، ودعم اللجنة الدولية لصيد الحيتان واتفاقية الأنواع المهاجرة لحماية هذه الحيتان. ومع اقتراب عدد هذه الحيتان من مستوى حرج للغاية، فإن نجاح هذه الجهود سيكون عاملًا حاسمًا في الحفاظ على واحدة من أكثر مجموعات الحيتان تميزًا وراثيًا وبيئيًا في العالم.
