محفوظ بن راشد الشبلي
في عالم لا تعي فيه صديقك من عدوك، تظهر هُناك تكتلات وتحالفات ضد أي نجاح تصل إليه أي منظومة في جانب مُعين، والهدف منها هو كسر عزائم ومجهودات تلك الفئة التي عملت بجد واجتهاد وثابرت إلى أن وصلت لذلك النجاح وإلى تلك المكانة المرموقة، فتسعى تلك التكتلات بعمل مُشين وممنهج لإحباط قيمة ذلك النجاح والتقليل من شأنه، وهو يدخل بعضها في التنافسية التجارية وبعضها لاحتكار الملكية الفكرية وعدم السماح بامتلاك الغير لها.
أمّا الأمر المدهش والغريب هو تحالف البعض ضد نجاح أقرانهم ومن يعرفونهم حق المعرفة، فيعملون في الخفاء فيما بينهم بعمل ممنهج ضد وصول تلك الفئة لمستوى قريب أو مساوٍ أو يفوق مستواهم الذي وصلوا إليه، فإن كانت هُناك تنافسية تجارية وملكية فكرية كما أسلفنا ذكرها في الفئة السابقة من الفقرة الأولى، فما هو مغزى هذا التكتل الممنهج والغريب الذي تسعى له هذه الفئة هُنا ضد الآخرين الذين نجحوا باجتهاد ومثابرة منهم حتى وصلوا لِما وصلوا إليه؟
الهدف هُنا معروف لدى المشاهد والسامع والقارئ، وهو حسدًا وغِلًا في أنفسهم تجاه نجاح الآخرين، وكأنَّ النجاح فقط محصور لهم وحدهم، وأن الرُقي والتمكّن هو محجوز لهم فقط، والظهور مُعنْوَن لهم وحدهم فقط، وأن الآخرين يجب أن يبقوا متوارين في ضبابهم، ومناظرين وتابعين لهم، ويأتمرون بأوامرهم، ويلتقطون فقط ما سقط منهم ليقتاتوا به ويبقون ماضين خلفهم في عمى وبلا بصيرة، وباعتقادهم بأنهم يملكون ملكيات النجاح حصريًا لهم وحدهم دون الوصول لها أو المساس بها من الغير.
إنَّ الحسد يأكل نفوس البشر كما تأكل النَّار الحطب، وقد حذّر الإسلام منه في حديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا» (رواه البخاري ومسلم)، وقد نهى الله كذلك عن التناجي الخفي والممنهج ضد الآخرين ووصفه بأنه من عمل الشيطان، حيث قال سبحانه وتعالى في سورة المجادلة في الآية التاسعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، وهي تنهى المؤمنين عن التسارر بما فيه معصية أو أذى للآخرين، وتأمرهم بما فيه خير وطاعة، وإن التناجي الخفي للتكتل الممنهج والمغلّف بالغل والحقد ضد الآخرين هو ليس من صفات المسلم، ولكن الإثم والعدوان قد امتهنه أصحابي القلوب المريضة والمملوءة والحقد والغل والحسد والبغض ضد الآخرين الذين يعرفونهم حق المعرفة والعياذ بالله، وقد وصل بالبعض بأن يُبدل تعامله معك فجأة بإيعاز من فئة الحاقدين ليُصبح خلفك يروغ عنك كما يروغ الثعلب، فاللهم قِنا وقي المسلمين شر تلك الفئة من البشر.
وختام القول هو أن من أراد للغير إخلالًا بنجاحه، وتحقيرًا لاجتهاده، وكسرًا لعزيمته، فهو إنسان فاشل، وأن نجاحه الذي حققه سابقًا ويخاف من أن يصل له ولمستواه الآخرين قد وصل إليه بدون وجه حق، ورُبما قد وصله بتسلقه فوق ظهور الآخرين، ولذلك يخاف أن يلحق به غيره باجتهادهم وليس بالطريقة التي وصل هو بها، فالنجاح الحقيقي هو المبني على الكفاءة، وعلى صاحبه أن يفخر به إن رأى من وصل إليه كما وصل هو إليه بجده وتعبه ومثابرته، أما الخوف من مزاحمة الغير له فلا تحمله سوى النفوس الحاقدة والمملوءة بالغل والحسد ضد الآخرين، والدنيا سباق وتنافس نحو النجاح ويجب أن يُبارك صاحب النفس السمحة والطيّبة لغيره، وأن يدعمه ما استطاع لذلك من كل النواحي المعنوية والنفسية، وأن يأخذ بيده نحو النجاح من كل الاتجاهات والنواحي الإيجابية ويفرح من فرحه، ويزيح ساعيًا من أمامه كل السلبيات، وأن يتمنى له الخير، لا أن يحتقره ويُقلل من شأنه ويحقد عليه، فلكل مجتهد نصيب ولكل إنسان طموح وغاية يصل إليها وسيصل لها شاء الغير أم أبا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، فأينما وُجدت البيئة المُحفزة والداعمة للنجاح، وُجد فيها ومعها الناجحون وانعكس ذلك على الإنتاج والرُقي والتقدم في كافة المجالات والنواحي والعكس كذلك، أما الحاقدون فسيخزيهم الله في الدنيا والآخرة.
