د. حامد بن عبدالله البلوشي **
حين يشتد الألم، وتتسع رقعة الكوارث، وتضيق السبل بالإنسان، يبقى العمل الإنساني هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، لأنه يخاطب الفطرة قبل العقول، ويوقظ الرحمة قبل المصالح، ويؤكد أن الإنسانية -مهما اختلفت الأوطان والأديان والثقافات- قادرة على أن تجمع القلوب حول قيمة واحدة هي إنقاذ الإنسان وصون كرامته.
ومن هذا المنطلق يحتفي العالم في التاسع عشر من أغسطس من كل عام باليوم العالمي للعمل الإنساني، وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة تكريمًا للعاملين في المجال الإنساني الذين يضحون بوقتهم وجهدهم، بل وبحياتهم أحيانًا، ويتعرضون للكثير من المخاطر في سبيل إغاثة المنكوبين، والوقوف إلى جوار المكلومين، وتخفيف الآلام عن المتضررين، كما يخلد هذا اليوم ذكرى ضحايا الهجوم الذي استهدف مقر الأمم المتحدة في بغداد عام 2003، والذي راح ضحيته عدد من العاملين في المجال الإنساني. وأصبحت هذه المناسبة دعوة عالمية متجددة لتعزيز ثقافة التضامن، وترسيخ قيم التكافل، وتقدير كل يد تمتد بالعطاء دون انتظار مقابل، وأن مواجهة التحديات الإنسانية لم تعد مسؤولية الحكومات والمنظمات وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية عالمية مشتركة، تبدأ من المجتمع المحلي، وتعتمد على تمكين وتأهيل أفراده ومؤسساته ليكونوا شركاء في صناعة الحلول، وبناء القدرة على مواجهة الأزمات، وتحقيق التنمية المستدامة.
والعمل الإنساني في جوهره ليس مجرد تقديم مساعدات طارئة، أو إعانات مؤقتة، أو توزيع غذاء ودواء، أو مأوى وكساء، بل هو منظومة متكاملة من المبادرات والبرامج التي تستهدف حماية الإنسان، وتخفيف معاناته، وصون كرامته، ومساندته في أوقات الشدة، دون تمييز بسبب دين، أو مذهب، أو عرق، أو لغة، أو جنسية. وهو بذلك يجسد أسمى معاني القيم الإنسانية التي دعت إليها الشرائع السماوية، وتوافقت عليها المواثيق الدولية، كما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأهداف التنمية المستدامة التي تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل الفقر، والجوع، والنزاعات، والكوارث.
وقد سبق الإسلام إلى ترسيخ هذه المبادئ قبل أن تعرفها المواثيق الدولية بقرون طويلة، فجعل الرحمة أساس العلاقة بين الناس، وحث على إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، ومواساة المحتاج، فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، وقال جل في علاه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. كما قال النبي ﷺ: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، وقال أيضًا: "أَحَبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس"، وهكذا أصبح العمل الإنساني من المنظور الإسلامي عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل، قبل أن يكون واجبًا اجتماعيًّا أو التزامًا أخلاقيًّا.
وفي السلطنة، لم يكن العمل الإنساني استجابة ظرفية للأزمات، أو حلًّا آنيًّا لمشكلات، أو رد فعل عابر للمحن؛ بل أصبح نهجًا راسخًا يستند إلى قيم الإسلام السمحة، وإلى الإرث الحضاري العُماني القائم على السلام، والتسامح، والتعاون مع الشعوب. فقد عُرفت عُمان عبر تاريخها المجيد بأنها تمد يد العون دون ضجيج، وتشارك في تخفيف معاناة المتضررين بروح المسؤولية، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة، انطلاقًا من إيمانها بأن الإنسان هو القيمة العليا التي ينبغي الحفاظ عليها.
وقد انعكس هذا النهج في دعم السلطنة للجهود الإنسانية والإغاثية في مختلف أنحاء العالم، وشتى بقاع الأرض، من خلال تقديم المساعدات الطبية، والغذائية، والإيوائية للدول المتضررة من الكوارث الطبيعية والأزمات، والمشاركة في الجهود الإنسانية بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فضلًا عن استقبال بعض الحالات الإنسانية، وتقديم الرعاية الصحية والتعليمية لها وفق الإمكانات والأنظمة المعتمدة.
كما تؤدي الهيئة العُمانية للأعمال الخيرية دورًا بارزًا في تجسيد هذا النهج، عبر تنفيذ العديد من المشروعات الإغاثية والتنموية داخل السلطنة وخارجها، والمساهمة في الاستجابة السريعة للكوارث، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتنفيذ برامج تنموية مستدامة تعزز الاعتماد على الذات، وتدعم الفئات الأكثر احتياجًا، وهو ما يعكس التكامل بين العمل الإغاثي العاجل؛ والعمل التنموي طويل الأمد.
ولا يقتصر العمل الإنساني في السلطنة على المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى المجتمع بكل مكوناته؛ حيث تتنامى ثقافة التطوع، وتتسع مبادرات المسؤولية المجتمعية، وتتسابق المؤسسات الخاصة والأهلية إلى دعم المبادرات الإنسانية، إدراكًا منها أن نجاح التنمية يقاس أيضًا بما تقدمه للمجتمع من أثر إيجابي، لا بما تحققه من عوائد اقتصادية فحسب.
ويبرز دور الشباب العُماني بوصفه أحد أهم روافد العمل الإنساني، بما يمتلكه من طاقات متجددة جبارة، وروح تطوعية عالية وثابة، حيث يشارك في حملات الإغاثة، وتنظيم المبادرات المجتمعية، والبرامج التطوعية، وحملات التبرع بالدم، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، ليؤكد أن المسؤولية المجتمعية ليست شعارات، وإنما ممارسة يومية تعكس الانتماء الحقيقي للوطن والإنسان.
ويتناغم هذا النهج مع الرؤية التنموية التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والتي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها، ورسَّخت مفهوم الشراكة بين الدولة والمجتمع، وأكدت أهمية بناء مجتمع متماسك، قادر على مواجهة التحديات، والوقوف في وجه العقبات، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم التعاون والتكافل.
إنَّ العمل الإنساني لم يعد اليوم خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل أصبح ضرورة حضارية تفرضها طبيعة عالم يعج بالأزمات المتصاعدة، ويواجه التحديات المتزايدة، من نزاعات، وكوارث، إلى أوبئة وتغيرات مناخية. وهذه التحديات لا يمكن التصدي لها إلا بتعزيز التعاون الدولي، وتمكين المجتمعات المحلية، وترسيخ ثقافة التطوع، وتوسيع دائرة الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، حتى يصبح العطاء أسلوب حياة، لا مجرد استجابة موسمية.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تتجدد الدعوة إلى أن يكون كل فرد شريكًا في صناعة الخير، وأن تتحول الرحمة إلى سلوك، والتضامن إلى ممارسة، والمسؤولية المجتمعية إلى ثقافة راسخة في البيوت، والمدارس، والجامعات، والمؤسسات. وستظل سلطنة عُمان بقيادتها الحكيمة -بإذن الله- ماضية في أداء رسالتها الإنسانية، مستلهمة قيمها الإسلامية، وإرثها الحضاري، ونهجها القائم على السلام والتسامح، ومؤمنة بأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله أثر طيب في حياة الناس، وأن بناء الإنسان سيبقى الطريق الأقصر لبناء الأوطان، والأمل الأصدق لبناء عالم أكثر أمنًا وعدلًا وإنسانية.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
