فرقة اللوكندة (6)

 

مُزنة المسافر

زخَّات مطر جلست طويلًا على نافذة قرب طاولة الاستقبال، رأى منها الضفدع كمال شكل المطر وقدرته أن يسقط كغمر يُغرق دنيا صغيرة مثل جنينة اللوكندة، صنع المطر مستنقعًا وبركًا دائرية غريبة، لكنها تُحفز أي ضفدع أن يدخلها، لن يذهب كمال أبدًا لتلك البرك ليسبح فيها، إنه فروج! وفروج متحضر بكل معنى الكلمة.

كائن مفكر، يعرف معالم الأرض، يفهم الجغرافيا ويميل إلى الهندسة ويدرس الفن في وقت الفراغ، والآن قد يتعلم الفلسفة المطالبة بالتفكير العميق.

وقد فكر بعمق في مسألة الفئران، ورسم شكلها على سبورة واقفة على طاولة الاستقبال، يستخدمها الخواجة يوليوس لينوه عن ما يحويه صحن الفطور في مطعم الفندق.

قرر كمال أن يمسح ما كُتب على السبورة، وأن يبدأ بتحليل تسلل الفئران إلى البهو، هل صعدت إلى المصعد الكهربائي؟ أم جاءت مشيًا على الأقدام، رسم ذيلها، رسمها خائفة، رسم دخولها المباغت، رسم السمين شناوي، ووضع هالة عظيمة حول النحيف أبو سريع، قد يكون هو العقل المدبر للهجوم التالي.

في زواية ليست بعيدة للغاية، بين الأنابيب يتحرك أبو سريع حاملًا معه الساعة الرملية، ويعاونه شناوي، إنها ثقيلة، رغم صغر حجمها.

أبو سريع: دي طلعت تقيلة أوي يا شناوي، مش قادر!

شناوي: ما الزمن تقيل يا أبو سريع.

أبو سريع: ما أنا شايف أهوه!

شناوي: سؤال يا أبو سريع، الزمن هوه الي بيعلمك السرقة؟

قد يعلمك الزمن الكثير، قد يعلمك الصبر لمسافة وقتية طويلة، قد يجعلك تعيد النظر في الماضي كما يفعل الخواجة يوليوس حين يقلب ذكريات اليونان العتيقة، أو حين يقاوم سرحان السلحفاة النوم والسرحان، ويبقى متيقظًا للشكاوى التي قد تدخل صندوق الشكاوى في أي لحظة.

تحرَّك كمال نحو الأدلة، وعاد من جديد لسرحان السلحفاة، لكنه وجد صدفته مقلوبة رأسًا على عقب.

كمال: مالك يا سرحان؟

سرحان: ساعدني يا سي كمال.

رأى سرحان العالم مقلوبًا تمامًا، وكل شيء في اللوكندة صار غريبًا فجأة، لقد حاول سرحان السلحفاة أن يتعلم السرعة، وأن يتحرك أسرع، لكن أفكاره الوحيدة عن العالم، قلبت نفسه وبدت صدفته في غير وضعها الطبيعي.

سرحان: أنا كنت هموت، بس ربنا ستر.

كمال: ما تقدرش تغير الصدفة دي؟

سرحان: أغيرها إزاي يا سي كمال؟، من يوم ما تخلقت في الدنيا وهي واقفة كده زي الهرم فوق دماغي.

أخرج الخواجة يوليوس العصفورة صوفيا من القفص الأبيض، ووضعها فوق آلة بيانو كلاسيكية، داخل مكتبه، وهنا طلب منها أن تدرب صوتها جيدًا، وأن تغني أوبرا ريغوليتو لجوزيبيه فيردي.

صوفيا: لادونا إيموبليه، كوال بيوما أل فينتو، موتا دي تشينتو، إيه دي بينسيرو.

حين يعتقد الدوق مانتوا في أوبرا جوزيبيه فيردي أن المرأة متغيرة كريشة في مهب الريح، تغير الكثير من أفكارها وشعورها، فهي متبدلة دائمًا كما يتفق معه الخواجة يوليوس حين قرر أن يظل وحيدًا وأن لا تشاركه أي امرأة باقي عمره في اللوكندة واكتفى بكائنات اللوكندة الشغوفة بالعمل المتواصل.

صوفيا : لادونا إيموبليه…لادونا إيموبليه… لادونااااا!

صدحت صوفيا بصوت عالٍ، وهنا انزعج الخواجة يوليوس وأوقف عزفه على البيانو وقاطع غناء صوفيا الحاد.

الخواجة يوليوس: يا صوفيا… ده مش غُنى، الصراخ ما ينفعش!

البيانو عايز هدوء… بيو بيانو! يعني شوية هدوء.

كيف تهدأ صوفيا، وهي تشعر بالشوق الكبير لفروج، لم يطل عليها منذ أيام، لقد شغلته أمور الأشرار، وأراد أن يكون له بصمة في ردعهم، ربما انزعج أنها قالت له أنه فروج وأنه أخضر.

عليها أن تناديه في المرة القادمة كما يناديه الخواجة يوليوس يا خبيبي يا كمال… وهل ستناديه يا حبيبي يا كمال؟ ربما!

تصميم الفنان حميد العوفي.png
 

تصميم الفنان: حميد العوفي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z