الرحلة من المنصب إلى الذات

 

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لفت انتباهي موضوع عن رحلة الإنسان من المنصب إلى رحلة أعمق وأكثر أهمية، وهي الرحلة إلى الذات. وهنا على الإنسان أن يتساءل: كيف تبدأ رحلتك الحقيقية بعد التقاعد؟

تختلف سنوات العمل من إنسان إلى آخر، لكنها في الغالب سنوات من العطاء والجهد، يبذل فيها الإنسان فكره ووقته حتى يحقق أهدافه الوظيفية ويصل إلى ما يطمح إليه من منصب ومسؤولية. ومع مرور السنوات يعتاد الناس على معرفته من خلال منصبه وما يشغله من مسؤوليات. وعندما تنتهي هذه المرحلة وتبدأ مرحلة التقاعد، يظن البعض أن قيمة الإنسان قد انتهت بانتهاء عمله، بينما الحقيقة أن التقاعد ليس نهاية الحياة، بل بداية مرحلة مختلفة ينتقل فيها الإنسان من قيادة فريقه إلى قيادة نفسه، ومن خدمة المؤسسة التي يعمل بها إلى الاهتمام بنفسه وذاته.

لذلك، لا بُد أن يفكر الإنسان بعد التقاعد في سؤال مهم، ليس: ماذا فقدت من منصب؟ بل: ماذا سأكون؟ وكيف سأعيش المرحلة القادمة؟ فالتقاعد يمنح الإنسان فرصة ليعيد اكتشاف نفسه بعيدًا عن ضغوط العمل وما يصاحبها من اجتماعات وتقارير والتزامات. إنها رحلة يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويكتشف ما كان يؤجله من واجبات مجتمعية والتزامات أسرية لم يجد لها الوقت الكافي..

للأسف، كثيرون يربطون قيمتهم بالمسمى الوظيفي، فإذا غادروا مكاتبهم شعروا وكأن شيئًا من مكانتهم قد نقص. لكن الحقيقة أن الذي تغير هو الوجهة لا القيمة؛ فالقيمة الحقيقية لا يصنعها المنصب، بل يصنعها الإنسان نفسه، أما المنصب فهو مرحلة مؤقتة في الحياة، وتبقى شخصية الإنسان بأخلاقه، وما قدمه من عطاء، وما تركه من احترام وتقدير وأثر طيب فيمن حوله.

وحياة التقاعد تبدأ فيها قيادة من نوع آخر؛ فلم تعد قائدًا أو رئيسًا لوحدة أو مؤسسة أو فريق عمل، بل أصبحت مسؤولًا عن إدارة وقتك وصحتك وسعادتك وعلاقاتك، وتحقيق التوازن مع نفسك. وقد تكون هذه المسؤولية أصعب من أي وظيفة أو منصب؛ لأنها تعتمد على وعي الإنسان بنفسه وقدرته على صناعة يومه بإرادته واختيار الطريقة التي يريد أن يعيش بها.

كما تذكّرنا مرحلة التقاعد بأن هوية الإنسان ومكانته أوسع بكثير من مكانته الوظيفية؛ فهو الأب أو الأم، والصديق، والناصح، وصاحب التجربة، وعضو في المجتمع، كما يملك من الخبرات والتجارب ما يجعله قادرًا على مواصلة العطاء بطرق مختلفة. لذلك، لا تجعل سنوات العمل تحجب عنك حقيقة أنك أكبر من مجرد مسمى وظيفي.

وبين مرحلة العمل ومرحلة التقاعد، يكتشف الإنسان أن السعادة ليست دائمًا في كثرة الانشغال، بل في جودة الحياة. فالوقت الذي كان يمر سريعًا بين المواعيد والالتزامات أصبح فرصة للاقتراب من الأسرة، والاهتمام بالصحة، وممارسة الهوايات، وأداء الواجبات المجتمعية، وإشغال العقل بالقراءة والتأمل بطريقة مختلفة.

وقد يتساءل كثير من المتقاعدين: من أين يأتي الحماس بعد التقاعد؟ ومن وجهة نظري، الحماس لا يصنعه المنصب، بل الهدف. فعندما يجد الإنسان رسالة يعيش من أجلها، أو مشروعًا يحبه، أو عملًا تطوعيًا يقدمه لمجتمعه، يعود إليه الشغف من جديد، وربما بصورة أفضل من فترة العمل.

التقاعد في معناه الحقيقي فرصة لتعيش بصدق؛ لا كما تفرض عليك ظروف العمل، بل كما تختار أنت أن تعيش.

وفي الختام، تذكر أن المناصب تتغير، والألقاب تنتهي، والكرسي يشغله غيرك، لكن الإنسان بما يحمله من قيم وأخلاق وعلم وأثر طيب هو الذي يبقى في ذاكرة الناس. فاجعل تقاعدك بداية لأجمل فصول حياتك، لا خاتمة رحلتها، وابدأ رحلة جديدة عنوانها: أنت، بما تملكه من خبرة وحكمة وإنسانية.

 

الأكثر قراءة

z