قراءة بنيوية في قصيدة "لا ينسى الجميل" للشاعر صالح بن عيسى الطائي

 


ناصر أبوعون

ترتكز قصيدة (لا ينسى الجميل) للشاعر صالح بن عيسى الطائيّ بنيويًا على حركة الانتقال من الاختلال إلى التوازن؛ فالاختلال الأول جسديُّ تمثَّلَ في حالة المرض والسقم والألم التي عاشها على أثر إصابته بانزلاق غضروفيّ حادّ، ثم تحوَّل اختلال الجسد إلى اختلال نفسي تمثَّل في حالة من الهَمّ والكدر والخوف، قبل أن تتدخل المعرفة العِلميّة ممثلة بالطبيب الهنديّ المُعالِج لاستعادة التوازن الجسدي بمدينة مومباي. وبعد استعادة الصحة لم تنغلق القصيدة على الذات، بل انتقلت إلى الآخر؛ حيث تحوَّل الشاعر من ذات متألّمة إلى ذات شاكرة. ومن ثَمَّ قامت بِنية القصيدة على طائفة من الثنائيات الضِّدية [الشفاء- الألم/ الصحة – المرض/ الفَرَج – الهمّ/ العلاج- السقم/ الألفة – الغربة/ القدرة – العجز/ الأمان – الخوف/ البوح – الصمت/ الآخر – الذات/ العطاء – الأخذ/ الوفاء – الجحود/ الدين – الدنيا/ الله – الإنسان / البداية بالألم – النهاية بالصلاة على النبي محمد]، ولوحظ كيف كانت هذه الثنائيات تتحرّك في اتجاه خَطيّ من (الاختلال إلى الاستعادة)؛ حيث بدأت من لحظة اختلال جسد الشاعر، وانتقالًا إلى وضع استقرار صحته، وانتهاءً بالشفاء واستعادته لتوازنه النفسيّ والاجتماعيّ.

البِنية العميقة للقصيدة

على المستوى المعجمي، تابعنا كيف انتقلت القصيدة من (معجم المرض)عبر ألفاظ: [الألم، الهم، الكدر، السقم، الداء]، إلى (معجم الكرم ) عبر ألفاظ:[الفضائل، المكارم، السخاء، الجود، الكرم، الهمم]، ثم إلى (معجم الدعاء والدين) عبر ألفاظ:[مولاي، ربي، الشفاء، الرسول، الصلاة]، بينما على مستوى الضمائر، فقد تحرَّكت القصيدة في مدار متتابع بدءًا من: [أنا، أنت، هي، هم، الله، الرسول ﷺ] تأكيدًا على حالة الانتقال من (الذات الفردية/الشاعر)، إلى (الجماعة/قبيلة الطائي)، إلى (المرجعية الروحية/الدين)، أمَّا عنوان القصيدة: (لا ينسى الجميل) فيمثِّل البنية العميقة للقصيدة كلها؛ فالقصيدة ليست مجرد تسجيل لرحلة علاج، وإنما هي فعلٌ شعريٌّ يقاوم النسيان؛ فالشاعر يحول الجميل الذي تلقَّاه من أخيه حمد إلى كلمات ومدح ودعاء، وبذلك أصبحت القصيدة نفسها وسيلةً لحفظ الذاكرة الأخلاقية، ومن ثَمَّ يمكننا صياغة البنية العميقة للقصيدة في هذه المعادلة الخطيّة [المرض يولّد الحاجة، والحاجة تكشف مدى صدق الآخر زميلًا أو قريبًا أو غريبًا أو أخًا شقيقًا وإنْ مَنَحَ (هذا الآخرُ) عونَه للشاعر المريض، فإنّ عونَه يولّد الامتنان، وهذا الامتنان تحوَّلَ إلى شعر، والشعر تحوَّلَ إلى دُعاء]، وبناءً على ما تقدّم يمكننا القول: إنّ هذه القصيدة رسمت لنا حالة هذا التحوُّل من ألم الجسد إلى معنى الوفاء، وكشفت أيضًا عن مدى قدرة اللغة الشعريّة على تحويل التجربة العابرة التي عاشها الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ إلى ذاكرة أخلاقيّة واجتماعيّة وروحيّة تبقى خالدة.

قصيدة.jpeg

البِنْية الصوتية والإيقاعية

كان المستوى الصوتيّ، من أكثر المستويات وضوحًا في القصيدة، ولا سيما في القافية الموحدة المنتهية بالميم الساكنة، فضلًا عن حضور حرف الميم الشَّفويّ المَجهور الرَّنَّان بوضوح في خواتيم الأشطر ومَتْن الأبيات، وتكرار دورانه في طوبوغرافية القصيدة؛ فأوحى للقرّاء بأنّ مدار الأبيات يتمحوّر حول مركز صوتي واحد، وإنّ كل تجربة شعرية جزئية داخل متن القصيدة انغلقت في إطار إيقاعيٍّ واحد. ويمكن رصد هذا التكرار الصوتيّ في ألفاظ:[الألم، النعم، رُسِم، كدم، القدم، علم، تنم، القدم، انسجم، الألم، السقم، الكرم، الديم، الكرم، القمم، عَلَم، الألم، العدم، الهمم، الألم، السلم]؛ وقد أدّى هذا التكرار وظيفةً موسيقيّة ملموسة، ومنح القصيدة وحدة إيقاعية متماسكة. وعلى منحى آخر من الوعي الشعريّ لاحظنا تكرار جِذر كلمة (ألم) بصورة موازية لمعاناة الشاعر، في كلمات[به ألم، بالألم، ألمي، الألم، داءٌ، ذا الألم، الداء والسقم، الألم]، فعشنا مع الشاعر عملية التحوّل: من (الألم) إلى (الشفاء)، والتي تحوّلت في إطارها وظيفةُ المُعجم الصوتيّ من تسجيل المعاناة إلى الدعاء بالخلاص منها. وعلى صعيد التكرار الإيقاعيّ لاحظنا أيضًا تَدَرُّجًا إيقاعيًّا يرتكز على ثيمة التتابع والانتقال من خلال تكرار حروف:(قد)، و(ف)، (لكنني)،و(لكن)، والفعل (أسأل). والملفت هنا أيضًا تموضع أداة الاستدراك (لكن) في بداية التجربة في قوله: (ولكنني أُبدي التجلُّدَ بالألم)، وقوله:(ولكن أُسلِّي النفسَ مني تجلُّدًا). وهذا أوحى للقراء بأنّ وظيفة الصوت اللغويّ تمحورت حول تجسيد الصراع بين (الألم الداخلي والتجلُّد الخارجي)؛ فأسهم ذلك في إنتاج إيقاع نفسيّ متوتر، وقد اكتشفنا في مطلع القصيدة - وخاصةً عبر الجمل الخبرية - الدور الفاعل للتنغيم والنَّبر، حيث تغلَّب التَّنغيم الهابط على الأبيات؛ لأنها كانت معنيّة بنقل الواقع الأليم للشاعر للقراء في قوله: (جسمي به ألم)، (وقلبي مملوءٌ من الهم والكدر)، لكن عندما تصل القصيدة إلى الدعاء، تغيَّر الإيقاع النفسيّ في قوله:(وأسأل مولاي الشفاء مما بنا)،(ويا حمد يشفيك ربي من الألم) ثم ارتفع الإيقاعُ في الخاتمة الدينيّة للقصيدة، في قوله: (ثم الصلاة على الرسول نبينا). إذن يمكننا رصد هذا المنحنى الصوتيّ في المعادلة التالية:[نبرة شكوى، نبرة سرد، نبرة مدح، نبرة دعاء، نبرة دينية احتفائية].

البِنْية الصرفيّة

على صعيد الأفعال بزمنيها الماضي والمضارع سنكتشف كيف كانت الحركة الصرفية انعكاسًا مَرْئَوِيّ للحركة السردية، وكيف كانت عملية الانتقال بين الماضي والمضارع ذات دلالة بنيويّة مؤثرة؛ فالماضي يُعبّر عن تجربة حدثت، والمضارع يُعبِّر عن حالة ما زالت ذات أثر تتشوّف باتجاه المستقبل؛ لذا نجد هيمنة تامّة للأفعال بشقيها الماضي:[نزلت، أُبدي، تحمّلت، أُسلّي، يعلم، همّني، يراقبني، أصافح، نزلنا، زاد، تذكرت، صرت، عرضت، فقال، يسائل، أدخلني، أظهر، استمر، زال، فعلًا، ورثت، فازت، أسأل، يشفيك، بذلته، أقرئ، أسأل، تشكو، غرّد]، والمضارع:[ينزل، يسافر، يصل، يعاني، يعرض نفسه، يُشخّص، يُعالَج، يشفى، يذكر الفضل، يدعو الله]، وهذه الهيمنة أوضحت لنا أن القصيدة لم تكن وصفًا ساكنًا، بل بِنيَة حركية فاعلة، وإنّ كثرة الأفعال الماضية[نزلتُ، تحمّلت، نزلنا، تذكرت، صرت، عرضت، أدخلني، أظهر، استمر، زال] جعلت القصيدة أقرب إلى استعادة التجربة الشعرية مكتملة أمَّا الأفعال المضارعة[يعلم، يراقبني، يشفيك، تشكو]، فقد منحت التجربة صفة الاستمرار والتجدد. أمّا على مستوى الضمائر، فقد لاحظنا أنّ حركة الضمائر توحي بالتوسع التدريجي من (الذات الفردية)، إلى (المجال الاجتماعيّ)، انتهاءً إلى (المجال الدينيّ)، ومن ثَمّ نستطيع تمثيل بنية الضمائر تراتبيًّا وِفقَ هذا التطوّر الخطيّ[:أنا، أنت، هي، هم، الله، الرسول]، وخلال هذا التوسّع التدريجي لحركة الضمائر رصدنا ثلاثة مستويات رئيسة من الضمائر: فـ[ضمير المتكلم] يهيمن على بداية القصيدة؛ القائمة على ذات متألمة (نزلتُ، جسمي، قلبي، ألمي، همي، نفسي، مني، تذكرت، صرت، عرضت نفسي)، ثم تنتقل القصيدة من الـ(أنا) المتألمة إلى الـ(أنتَ) صاحب الفضل، ثم يظهر[ضمير المخاطب] عند الانتقال إلى الأخ حمد بن عيسى الطائيّ في قول الشاعر: (لا زلتَ للخير فاعلًا)، (فلو لم يكن في طيء مثلك)، (فضائلك)، ثم (يا حمد يشفيك ربي)، بينما يظهر [ضمير الغائب] في الحديث عن الزوجة والأسرة والقبيلة.

البِنْيَة المُعجميّة

لقد كانت البنية المُعجميّة من أكثر العناصر ثراءً داخل القصيدة، وتضم أربعة حقول دِلاليّة داخل مُعجمها؛ تتمثّل في [الحقل المَرَضِيّ]، ويهيمن على المقطع الأول من القصيدة، ونجده في كلمات:[ألم، الهم، الكدر، السقم، الداء، الغضروف، العلاج، الشفاء]، ويليه [الحقل النَّفسي] بشكلٍ موازٍ؛ حيث جمعت القصيدة بين أَلَمَين (عضويّ ونفسيّ)، ثم يأتي [حقل الكرم] في القسم الخاص بالشيخ حمد وزوجته، ليُهيمن على العمود الفقري للقصيدة ومعه يحدث تحوّلٌ مُعجميُّ كبير؛ فـ(معجم المرض) يسيطر على بداية القصيدة، بينما في وسطها يتمركز (معجم الكرم)، وتُخْتتم القصيدة بـ(معجم الدعاء والدين)، الذي يتكرر في كلمات:[الخير، الفضائل، مكارم، سخاء، الجود، الكرم، الود، مفخرة، الهمم]. وعلى صعيد الحقل الرابع[حقل الحركة والسفر] والذي خلاله يمكننا تصنيف القصيدة في خانة أدب الرحلة، ونعثر عليه في قول الشاعر: (نزلت، مطار، الهند، مومباي، ناتراج، بالمشي، القدم)، وعبره سنكتشف كيف تحوّلت الرحلة الخارجيّة تدريجيًا إلى رحلة داخليّة وفق هذا المخطط التتابعيّ:(رحلة الجسد إلى العلاج، ثم رحلة الذاكرة إلى الماضي وصولًا إلى رحلة الشعور إلى الشكر، وانتهاءً برحلة الروح إلى الدعاء).

البِنْيِة النحويّة

في هذه القصيدة سيكتشف القاريء كيف يتحوّل النحو من أداة ربط إلى أداة فاعلة في بناء الدلالة عبر خمس طرائق بنيويّة؛ فأمّا الطريقة الأولى فبتوظيف الجملة الشرطيّة، وهي من أدوات التعظيم والمبالغة في المدح، في قول الشاعر: (فلو لم يكن في طيء مثلك حسبها)؛ فالشاعر هنا يضع قيمة المُخاطَب أخيه حمد بن عيسى) في موضع القائد المؤثر وبدونه لن تكتمل صورة القبيلة، وأمّا الطريقة الثانية فبتوظيف حرف (لكن) الاستدراكي بهدف تأسيس بِنية تضاد تفاعلية أظهرت لنا صورة الشاعر وهو يكتم ضعفه وإنْ كان يتظاهر بالقوة؛ فما يشعر به الشاعر صالح بن عيسى خِلاف ما يُظهره للآخرين، في قوله:[(ولكنني أُبدي التجلد بالألم)،(ولكن أُسلّي النفس مني تجلدًا)]، وأمّا الطريقة الثالثة بتوظيف (حرف الواو العاطفة)، الحاضر بكثافة في متن القصيدة؛ ليحقق نوعًا من التراكميّة؛ فالشاعر لا يقدم فكرة واحدة، وإنما يضيف طبقة فوق أخرى، إلى أنْ تكوّنت شبكة الوفاء لأخيه حمد بن عيسى الطائي، في قوله: [ولكنني... وقلبي... وإني] [وقد زاد همي]، [وصرت]، [وأقصر مدح، وأسأل مولاي]، وأمّا الطريقة الرابعة فبتوظيف الجملة الاسمية لتُسهم في تثبيت حالة الهمَّ والكدر، التي ألمّت بالشاعر المريض؛ فالمرض ليس عَرضًا عابرًا، بل حالة استقرت في نفس الشاعر، كشف عنها في قوله:[وقلبي مملوء من الهم والكدر]، وأمّا الطريقة الخامسة فبتوظيف الجملة الفعلية؛ لتأكيد العلاقة بين البِنيَتَين النحويّة والدِّلالية، وتكشف عن (الحركة والتحول). وفي إطار تعاون الجملة الاسمية الدالة على الثبات مع الجملة الفعلية الدالة على الحركة حدثت عملية تطابق ديناميكي في حركة القصيدة من السكون والألم إلى العلاج والشفاء، لاحظناها في قول الشاعر: [نزلتُ مطار السِّيب] [تذكرت أيامي] [عرضت نفسي للطبيب].

البِنْيَة الدِّلاليّة

ظهرت البنية النفسية بمواجهة الشاعر للألم الداخليّ بالصبر والتجلُّد الخارجيّ في قول الشاعر:(ولكنني أُبدي التجلد بالألم)؛ لتكشف لنا عن انقسام بين: ذات شاعرة متألمة، وذات اجتماعية متجلدة، فالشاعر يأبَى أن يتحوَّل مرضه إلى صورة من صور الضعف الاجتماعي؛ لذا قال: (ولكن أُسلّي النفس مني تجلّدًا)، فالتجلُّد هنا ليس قوة جسديّة فَحَسْبُ، وإنَّما آلية دفاع نفسي، ومن ثَمَّ ظهر المرض كأزمة وُجوديّة وليس كعارضٍ طبيّ، وأدّى إلى تعطيل الحركة، وتغيير علاقة الشاعر بالمكان، واستحضار الماضي، وزيادة التفكير، والشعور بالاعتماد على الآخرين؛ فكان قوله: (وقد زاد همي فيك مومباي عندما تذكَّرت أيامي، وبالمشي بالقدم) من أجمل تعبيراته عن هذه الأزمة الوجوديّة؛ فالمكان الجديد يستدعي المكان القديم، والمرض يستدعي ذاكرة الجسد السليم، ولذا أصبحت (القَدَم) رمزًا للقدرة والحركة والاستقلال.

أمّا البعد الاجتماعي في القصيدة فقد ظهر في انتقال الشاعر من وصف حالته المرضية إلى مدح أخيه حمد وزوجته، والانتقال هنا من: ضمير (أنا) المريض إلى ضمير(نحن) المتعاون كشف عن شبكة العلاقات العائلية والإنسانية، والتكافل الاجتماعي؛ فالمرض كشف للشاعر عن حاجته إلى الآخرين، ولذلك تحولت تجربة علاج الشاعر في جمهورية الهند إلى تجربة كشفت عن قيمة الوفاء.أمّا (مفهوم الجميل)، فقد ظهر جليًّا في عنوان قصيدته (لا ينسى الجميل)، وهذا العنوان بمثابة مفتاح بِنيويّ؛ فالقصيدة من عتبة العنوان حتى خاتمتها حاولت الإجابة عن سؤال: كيف يردُّ الإنسان الجميل؟ والجواب يأتي من خلال: (ذِّكْر مُبادرة الأخ حمد الداعمة لأخيه الشاعر في أزمته المرضيّة، ثُمَّ مَدَحَه وأثنى على مُبادرته، ثم اعترف بفضله، ثمَّ دعا له ولزوجته)، وهي محاولة لردّ جميل أخيه من خلال القصيدة، لُغويًا ودعائيًا. وعلى المستوى الرمزي والتأويلي ظهرت مجموعة من الرموز؛ فـ(المطار) يرمز لحالة (لانتقال)، وهو ليس مكانا جغرافيا، بل عتبة انتقالية من (الوطن إلى الغربة)، ومن (الصحة إلى المرض) ومن (المعاناة إلى البحث عن العلاج) في قول الشاعر: [نزلتُ مطار السِّيب]، ثم [نزلنا مطار (سَحَر) في الهند]. وتأتي لفظة (القَدَم) لترمز إلى (الحرية) أو (القدرة) على الحركة والاستقلال؛ حيث فقدان القدرة على الحركة يعني فقدان جزء من الحرية، بينما العلاج يعيد للإنسان قدرته على استعادة حياته. بينما ترمز لفظة (السرير) إلى العجز؛ حيث تحوّل السرير من وسيلة للراحة إلى علامة على تعطّل الحركة في قول الشاعر: (وصرت مرخا بالسرير ونائمًا طوال نهاري) ويمكن وضع السرير ثنائية رمزية في مقابل (المشي) [السرير- العجز/ القدم - الحركة]. ثم تأتي كلمة (الطبيب) كرمز للمعرفة، وبوصفه ممثلًا لـ(العقل الحاسم المشخِّص للمرض) في قول الشاعر:[فعرضت نفسي للطبيب فقال لي]، وهنا تشكّلت بِنيَة عميقة[المرض الغامض، الطبيب، الكشف، المعرفة، العلاج، الشفاء]. وعلى المقلب الآخر نجد الشيخ حمد أخ الشاعر صالح بن عيسى لا يظهر في القصيدة كشخصية عائلية فحسب، بل تجسيد لقيمة الوفاء والعطاء؛ ولهذا تحوّل العنوان (لا ينسى الجميل) في النهاية إلى مبدأ أخلاقي تجسده شخصية الأخ، وظهرت قبيلة طيء كرمز للامتداد الاجتماعي توسّعت من خلاله القصيدة من الشخص إلى الجماعة [من الفرد إلى الأسرة إلى القبيلة إلى المجتمع] وبذلك لم يظهر الكرم كفعلٍ فرديٍّ فقط، بل تحوَّل إلى رأسمال رمزيّ اجتماعي تتوارثه القبيلة عندما ذكر الشاعر: (طيء)، و(آل كندة)، و(نزوى)، و(بوشر)، و(العامرات)، ثم مثَّلت (الصلاة على النبيّ رمزًا لإغلاق البِنْية في البيت الأخير في قوله:(ثم الصلاة على الرسول نبينا/ وما غرد القمري على أعواد السلم)، وهذا البيت لم يكن مجرد خاتمة تقليدية، وإنما أدّى وظيفة الإغلاق البنيوي؛ فالقصيدة بدأت بـ: (الجسد المريض) وانتهت بـ(النبيّ والدين والذكر الروحيّ) ودالة على انتقال القصيدة من مستوى الجسد إلى مستوى الروح.

 

 

الأكثر قراءة

z