عاشق العفية وشاعرها الجميل

 

محمد بن سلطان الساعدي 

جمعتني أيام جميلة مع الأديب والشاعر الراحل ناصر البلال، بحكم القرابة من الأهل والعشيرة، وكان، رحمه الله، محبوبًا من الجميع، قريبًا من القلوب، حاضرًا في المجالس بطيبته وشخصيته وحضوره المميز.

ولعل ما كتبه الأديب محمد العريمي عن ناصر يلامس كل من عرفه، فقد استطاع أن يوثق جانبًا من شخصيته وحياته وشغفه بالشعر، وأن يستعيد مواقف وذكريات بقيت عالقة في ذاكرة من عاصروه واقتربوا منه.

وحين أعود إلى تلك الذكريات، أجد أن ناصر لم يكن شاعرًا يكتب عن صور فحسب، بل كان يحمل صورًا في داخله، ويسافر بها أينما ذهب. كان الشعر عنده طريقة للحياة، وكانت المدينة ذاكرة لا تفارقه.

يقول في شهادته عن ناصر: «لي همٌّ واحدٌ فقط: صور! أحملها معي، وأعبر عنها، وأجوز هذه البسيطة بها».

ولعل هذه العبارة تختصر شيئًا كثيرًا من شخصية ناصر، ذلك الرجل الذي كان يرى في صور أكثر من مدينة؛ كان يراها أهلًا وذاكرة وبحرًا وهوية وطفولة وعمرًا كاملًا.

ومن أجمل الذكريات رحلته مع ناصر صوب القاهرة. كان ناصر قد بدأ في الطائرة كتابة قصيدته «صباح الخير يا صور»، وأراه بعض أبياتها، فطلب منه أن يواصلها. وكانت القصيدة تكبر معه من محطة إلى أخرى، حتى أكملها في الإسكندرية، المدينة التي وجد فيها، بحكم البحر والانتماء الساحلي، شيئًا من روحه وروح صور.

وما يلفت في هذه الحكاية أن ناصر لم يكن يتعامل مع القصيدة باعتبارها نصًا مكتوبًا وحسب، بل كان يعيشها منذ لحظة ولادتها. كان يحفظ أشعاره، ويلقيها عن ظهر قلب، وتشاركه في الإلقاء عيناه وملامح وجهه ويداه وصوته، حتى تبدو القصيدة وكأنها تتحرك أمامك لا تُلقى عليك.

 

وكانت هذه واحدة من أكثر صفاته حضورًا؛ طريقته الخاصة في الإلقاء. لم يكن يقرأ الشعر بقدر ما كان يمثله ويعيشه. ولذلك بقيت قصائده مرتبطة بصوته وحركاته ونبرته، وبقي الذين سمعوه يتذكرون القصيدة كما يتذكرون صاحبها.

 

وفي مهرجان شعري بصحار، شارك ناصر بقصيدته «صباح الخير يا صور»، وألقاها بالطريقة التي عُرف بها، بانفعال واضح وصوت يحمل القصيدة إلى أبعد من الكلمات. ولم يكن غريبًا أن يقول في ذلك المحفل، حين حاول أحد الشعراء أن يصف نفسه بأنه «ملك الإلقاء»: «إن كنت ملكًا للإلقاء فأنا ملك ملوك الإلقاء!».

 

كانت العبارة تشبهه؛ فيها شيء من حضوره وثقته وروحه المرحة، وفيها أيضًا ذلك الشغف الذي كان يحمله تجاه الشعر.

 

وفي إحدى رحلاته المهنية إلى السودان، ظهرت تلك السمة التي لازمته في حياته؛ حضوره العفوي حين يكون الشعر حاضرًا.

 

كان ناصر في مناسبة غنائية أحياها الفنان السوداني محمد وردي، وبينما كان الحفل يمضي في أجوائه، صعد ناصر إلى المسرح وأخذ الميكروفون، فلفت حضوره المفاجئ انتباه الحاضرين.

 

لم يطل الأمر حتى بدأ صوته ينساب في قصيدة عن السودان، مستهلًا إياها:

 

«قفْ يا قطارُ فقد أوهى تصبُّرَنا

طولُ السفارِ وقد أكْدَتْ قوافينا»

ثم مضى:

«وقد بدتْ صفحةُ الخرطوم مشرقةً

كما تجلّى جلالُ النورِ في سينا»

 

و:

«جئنا إليها فمن دارٍ إلى وطنٍ

ومن منازلِ أهلينا لأهلينا»

ثم:

«يا ساقيَ الحيِّ جدّد نشوةً سلفتْ

وأنت بالجنباتِ الحمرِ تسقينا»

 

و:«واصدحْ بنونيةٍ لما هتفتُ بها

تسرّقَ السمعَ شوقي وابنُ زيدونا»

حتى بلغ:

«وأحكمِ اللحنَ يا ساقي وغنِّ لنا

إنّا محيّوكِ يا سلمى فحيّينا»

تحولت دهشة الحاضرين شيئًا فشيئًا إلى إنصات، ثم إلى إعجاب بما قدمه ناصر من إلقاء وحضور، قبل أن يترك المسرح للفنان محمد وردي ليواصل فقرته.

كانت تلك الحادثة تشبه ناصرًا؛ لا يحتاج إلى ترتيب طويل حتى يكون حاضرًا، ولا إلى منصة كبيرة حتى يترك أثرًا. كان الشعر بالنسبة إليه مساحة مفتوحة، وكان صوته قادرًا على أن يصنع حول القصيدة مجلسًا أينما كان.

ولم تكن رحلته إلى السودان مجرد محطة مهنية عابرة؛ فقد بقيت في ذاكرته، كما بقيت ذكرياته مع أهل السودان، الذين عرفوا فيه شاعرًا يحمل محبة خاصة للكلمة وللناس وللمكان.

وكان ناصر واسع الصلة بالشعراء والشعر القديم والحديث. أحب نزار قباني، كما أحب امرأ القيس والأعشى والنابغة وجرير والمتنبي وأبا العلاء وغيرهم، وكان شديد التعلق بالشعر العمودي وموسيقاه. وكان يقلد طرق الشعراء في الإلقاء، ومن بينهم البردوني، حتى في بعض حركاته ومخارج حروفه ونبراته.

ولم يكن إعجابه بالشعر مجرد إعجاب مستمع؛ كان يتوقف عند الكلمة، والبيت، والصورة، والموسيقى، ويتأثر بها إلى درجة أنه كان يقول عن بعض الكلمات المؤثرة: «لقد غيّرت كيمياء جسمي كله».

وهذا التعبير، في رأيي، يلخص ناصرًا نفسه؛ فقد كان سريع التأثر بالكلمة الجميلة، وكان يرى في الشعر حياة كاملة، لا مجرد أبيات موزونة.

وكانت علاقته بشعراء صور وعُمان جزءًا من هذا الارتباط العميق بالمدينة. حفظ أبيات أبي سرور والشرياني وغيرهما، وكان يرددها ويستعيدها، وكأن كل بيت قيل في صور كان يعني له شيئًا شخصيًا.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تصبح صور حاضرة في شعره، وفي حديثه، وفي أسفاره، وفي مجالسه، حتى أصبح من الصعب أن تفصل ناصرًا عن صور، أو صورًا عن ناصر.

ومن أكثر الذكريات التي تترك أثرًا في النفس ما سُمع منه قبل وفاته بأيام قليلة، في جلسة صغيرة، وكان ناصر يلقي قصيدته «زرقاء». كان متماهيًا معها، مندمجًا في إلقائها، بينما كان الحاضرون ينصتون بكل جوارحهم.

وكان من بين الحاضرين من يرقب المشهد، ثم طلب منه أن يعيد مقطعًا من القصيدة، فقال له ناصر مستغربًا: لقد سمعتها أنت مرارًا، فما حملك على أن أعيده؟

ولم يكن هناك جواب يحتاج إلى أن يُقال؛ فاللحظة نفسها كانت جوابًا. كان المستمع يريد أن يسمع ناصرًا مرة أخرى، لا القصيدة وحدها. كان يريد أن يحتفظ بصوته وطريقته ومشهد الإلقاء في ذاكرته.

ولم يكن أحد يعلم أن ذلك المقطع سيكون آخر ما يسمعه منه.

رحم الله ناصر البلال؛ رحل الجسد وبقي الصوت، وغابت الملامح وبقيت القصائد، وانتهت المجالس وبقيت الحكايات.

ولعل ما جاء في «شيء عن ناصر» يختصر حجم الفقد حين وُصف رحيله بأنه جعل أهل صور يبكونه ويبكون أنفسهم معه. وهذه ليست مبالغة في حق رجل كان حاضرًا في حياة مدينته، بل شهادة على مكانة إنسان ترك أثرًا يتجاوز الشعر إلى الناس والمكان والذاكرة.

وفي ختام تلك الذكرى، استوقفني ما ورد تحت عنوان «إضاءة دامعة»، مستحضرًا رثاء الإمام علي لمالك الأشتر: «على مثله فلتبكِ البواكي».

وأحسب أن ناصرًا كان من أولئك الذين يترك رحيلهم فراغًا لا يملؤه الكلام، لأن بعض الرجال لا يغادرون حين يموتون؛ إنما ينتقلون من الحياة إلى الذاكرة.

وناصر البلال واحد منهم.

رحم الله ناصر، ورحم أيامه الجميلة، ورحم صوته وهو يصدح بالشعر، ورحم صور التي أحبها وأحبته، وجعل ما تركه من شعر وذكر طيب شاهداً له لاعليه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z