جان يعقوب جبور
هل للإرهاب عدالة؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى مستفزًا، لأن الإرهاب، في جوهره، يقوم على العنف وإرعاب المدنيين وتجاوز القانون وتحويل الإنسان إلى وسيلة لتحقيق غاية سياسية أو أيديولوجية. لكن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا عندما نضعه في سياق الشرق الأوسط؛ حيث تختلط الحروب بالاحتلال، والمقاومة بالإرهاب، وحق الدول في الدفاع عن نفسها بحق الشعوب في تقرير مصيرها، بينما يجد المدنيون أنفسهم في معظم الأحيان بين نارين: نار القوة العسكرية ونار التنظيمات المسلحة.
الإرهاب لا يملك عدالة بذاته؛ فالعدالة مفهوم يقوم على القانون والمساواة والمساءلة، بينما الإرهاب يقوم على فرض الإرادة بالقوة والخوف. ومن هنا لا يمكن تحويل قتل المدنيين أو خطفهم أو استهدافهم إلى "عدالة" لمجرد أن مرتكبيها يرفعون شعارات سياسية أو دينية أو وطنية. وفي المقابل، فإن رفض الإرهاب لا يعني منح أي دولة أو قوة عسكرية تفويضًا مفتوحًا لاستخدام القوة بلا حدود أو إعفاءها من المسؤولية عن أفعالها تجاه المدنيين.
وهنا تكمن واحدة من أكبر أزمات الشرق الأوسط الراهنة: ازدواجية المعايير؛ فالعالم يتحدث عن مكافحة الإرهاب عندما تستهدف العمليات مصالح دولة قوية، لكنه يصبح أكثر ترددًا عندما يكون العنف صادرًا عن دولة أو حليف سياسي. وفي الجهة المقابلة، تستخدم بعض الجماعات المسلحة مظالم حقيقية، مثل الاحتلال أو التهجير أو التمييز أو الحصار، لتبرير عمليات لا يمكن تبريرها أخلاقيًا أو قانونيًا عندما تستهدف الأبرياء. وهكذا تتحول العدالة من مبدأ عالمي إلى خطاب انتقائي تستخدمه الأطراف وفقًا لمصالحها.
في غزة، على سبيل المثال، أظهرت الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023 حجم المأساة التي يمكن أن تنتج عندما تتداخل الهجمات على المدنيين، والعمليات العسكرية واسعة النطاق، والاحتجاز، والتهجير، والحصار، وتدمير البنية التحتية. وسقوط أعداد هائلة من المدنيين الفلسطينيين وتدمير أحياء ومرافق مدنية لا يصبح مشروعًا لمجرد أن العمليات العسكرية تُنفذ تحت شعار مكافحة الإرهاب. المعيار الحقيقي يجب أن يكون حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، لا هوية الضحية أو هوية الفاعل. وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فالبلاد تعيش منذ سنوات تحت تأثير الصراع الإقليمي وتداخل السلاح والسياسة، فيما يبقى المدني اللبناني هو الطرف الذي يدفع الثمن عند انتقال المواجهات إلى الأراضي اللبنانية. واستهداف المدنيين أو البنية التحتية المدنية، أيًا كان مصدره، لا يمكن أن يتحول إلى فعل عادل بمجرد تقديمه باعتباره جزءًا من صراع أكبر. وفي الوقت نفسه، فإن معالجة ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة لا يمكن أن تتم من خلال منطق الحرب المفتوحة، بل تحتاج إلى بناء دولة قادرة على إجماع وطني يحمي سيادتها ومواطنيها.
وفي سوريا، دفعت المجتمعات المحلية ثمنًا باهظًا نتيجة سنوات من الحرب، وتعدد القوى المسلحة، والتدخلات الخارجية، والتنظيمات المتطرفة. تنظيم «داعش» قدم نموذجًا واضحًا لما يحدث عندما تتحول الأيديولوجيا إلى مشروع للسيطرة عبر الرعب والقتل. لكن هزيمة التنظيم عسكريًا لا تعني بالضرورة انتهاء الظروف التي ساعدت على ظهوره. فالعدالة المستدامة لا تتحقق بالقضاء على المقاتلين فقط، وإنما بمعالجة أسباب الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وضمان عودة النازحين واللاجئين في ظروف آمنة وكريمة. وفي العراق أيضًا، ترك الإرهاب آثارًا عميقة على الدولة والمجتمع. فقد دفع تنظيم «داعش» البلاد إلى واحدة من أكثر مراحلها دموية، وارتكب جرائم واسعة بحق المدنيين، بينما ساهمت الصراعات الطائفية والسياسية والتدخلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد. لقد أثبتت التجربة العراقية أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون عملية عسكرية فقط؛ فحين تغيب الدولة العادلة، وتنتشر البطالة والتهميش والفساد والانقسامات، تصبح البيئة أكثر قابلية لإنتاج العنف والتطرف.
أما اليمن، فقد تحول إلى مثال آخر على مأساة استخدام الشعوب وقودًا للصراعات الإقليمية؛ فالحرب الممتدة بين جماعة الحوثيين والقوى المناهضة لها، وما رافقها من تدخلات إقليمية، خلقت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في المنطقة. وعندما تتعرض المدن والمنشآت المدنية للهجمات، أو تستخدم الجماعات المسلحة المدنيين في النزاعات، تصبح المسؤولية الأخلاقية والقانونية مشتركة في رفض تحويل الإنسان إلى ورقة في صراع سياسي. وفي إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وسائر القوى الإقليمية والدولية، تبدو المنطقة وكأنها مسرح لمواجهة أكبر من حدود الدول نفسها. الضربات المتبادلة، والاغتيالات، والهجمات على المنشآت، والحروب بالوكالة، واستخدام الجماعات المسلحة، كلها تجعل تعريف «الإرهاب» أكثر التباسًا في الخطاب السياسي. لكن الالتباس السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى التباس أخلاقي: استهداف المدنيين يظل مرفوضًا، والتعذيب والخطف والتهجير القسري والقتل خارج القانون تظل أفعالًا خطيرة، بصرف النظر عن الجهة التي ترتكبها.
المشكلة أن بعض الحكومات والجماعات أصبحت تستخدم كلمة «الإرهاب» كسلاح سياسي. فكل خصم يمكن وصفه بالإرهابي، وكل عملية عسكرية يمكن تقديمها باعتبارها حربًا على الإرهاب. لذلك لا يكفي أن نسأل: من هو الإرهابي؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا فعل؟ من استهدف؟ هل احترم المدنيين؟ هل التزم بالقانون؟ وهل توجد آليات مستقلة للتحقيق والمحاسبة؟ من استغله واستخدمه ولأي طرف ينتمي؟ العدالة الحقيقية لا تقوم على مبدأ «إرهاب مقابل إرهاب»، ولا على «عنف مقابل عنف»، ولا على الانتقام بوصفه بديلًا عن القانون. فإذا قتل طرف مدنيين، فإن قتل المدنيين من الطرف الآخر لا يصبح عدالة. وإذا ارتكبت جماعة مسلحة جريمة، فإن ذلك لا يمنح خصومها حصانة أخلاقية أو قانونية لارتكاب جرائم مماثلة. وإذا ارتكبت دولة انتهاكًا، فلا يمكن إسقاط المسؤولية عنها بحجة أنها تواجه تنظيمًا إرهابيًا.
لقد دفعت شعوب الشرق الأوسط ثمنًا هائلًا نتيجة هذا المنطق. أجيال كاملة ولدت في ظل الحروب، ومدن دُمرت، وملايين الأشخاص نزحوا، واقتصادات انهارت، وأصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية. ومع ذلك، ما زالت القوى السياسية تتعامل مع العنف وكأنه اللغة الوحيدة القادرة على فرض التوازن.
الحقيقة أن الإرهاب لا ينتج عدالة، بل ينتج ضحايا جدد وغضبًا جديدًا ورغبة جديدة في الانتقام. والاحتلال والقمع والتهميش لا يبرران الإرهاب، لكن استمرارها من دون معالجة سياسية وقانونية يوفر بيئة خصبة لتكاثر التطرف. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب بصورة جدية تتطلب مواجهة الأسباب السياسية والاجتماعية التي يستغلها المتطرفون، من دون الوقوع في فخ تبرير جرائمهم.
إن العدالة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون انتقائية. ولا يجوز أن تكون حياة إنسان أغلى من حياة إنسان آخر بسبب جنسيته أو دينه أو قوميته. ولا يجوز أن يصبح القانون الدولي قويًا عندما يخدم الأقوياء وضعيفًا عندما يقترب من حلفائهم. وإذا كانت هناك رغبة حقيقية في إنهاء دائرة العنف، فإن البداية تكون من قاعدة بسيطة: المدني ليس هدفًا، أيًا كانت راية الطرف الذي يقف خلف السلاح. ربما يكون السؤال الأصح إذن ليس «هل للإرهاب عدالة؟»، بل «متى تصبح العدالة أقوى من الإرهاب؟». والجواب يبدأ عندما تتوقف الدول والجماعات عن استخدام الألم لتبرير ألم جديد، وعندما تصبح المحاسبة شاملة لا انتقائية، وعندما يصبح القانون فوق القوة، وعندما يُنظر إلى الإنسان بوصفه إنسانًا قبل أن يكون فلسطينيًا أو لبنانيًا أو سوريًا أو عراقيًا أو إيرانيًا أو يمنيًا.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الانتصارات العسكرية التي تترك وراءها أجيالًا جديدة من الغضب، بل يحتاج إلى عدالة تنهي أسباب العنف، ودول تحمي مواطنيها، وقانون يطبق على الجميع، وحلول سياسية تعالج جذور النزاعات. أما الإرهاب، مهما كان شعاره ومهما كان خصمه، فلا يستطيع أن يمنح عدالة؛ لأنه حين يجعل الخوف وسيلة لتحقيق الغاية، يكون قد هدم منذ البداية الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه العدالة نفسها. فهل يمكن للكيان الصهيوني وداعميه وحلفائه في منطقة الشرق الأوسط أن يكونوا تحت راية القانون الدولي وأن يحققوا العدالة بدلًا من إرهاب المدنيين وقتلهم وتدمير المدن والقرى والبنى التحتية؟ سؤال برسم كل إنسان وطني عروبي شريف يؤمن بالأمة العربية.
