الوطن بين الذاكرة والوجدان: مقاربة في البنية الدلالية والبلاغية

 

 

 

د. جمال فودة **

قصيدة "وطَن المَكارِم" للشاعر المكرم/ الدكتور صالح الفهدي

وَطَنَ الْمَكَارِمِ مِنْ عُلًا وَمَنَاقِبِ

تَحْيَا أَبِيًّا رَغْمَ أَنْفِ اللَّاعِبِ

أَنْتَ الْإِبَاءُ الآهِلُ الشَّمْسَ الَّتِي

ضَاءَتْ أَدِيمَ مَشَارِقٍ وَمَغَارِبِ

وَحَيَاةِ رُوحِكَ! أَيُّ أَرْضٍ تُفْتَدَى

إِلَّا حِيَاضُكَ؛ ذَاكَ أَدْنَى وَاجِبِ

عَلَّمْتَنِي مَعْنَى الْوَفَاءِ، فَكُنْتَ مَنْ

أَغْنَى الْوَفَاءَ بِجُودِ كَفِّ الْوَاهِبِ

يَا مَوْطِنِي، إِنِّي عَشِقْتُكَ مَنْزِلًا

أَنَّى رَحَلْتُ؛ فَتِلْكَ تِلْكَ حَقَائِبِي

أَمَّا الفُؤَادُ فَفِي تُرَابِكَ نَبْتَةٌ

خَضْرَاءُ فَوْقَ فَدَافِدٍ وَسَبَاسِبِ

خَضْرَاءُ تَحْيَا دُونَ قَطْرٍ تَرْتَوِي

مِنْ سَكْبِهِ، فَثَرَاكَ لَيْسَ بِنَاضِبِ

يَمَّمْتُ وَجْهِي نَحْوَ قِبْلَتِكَ الَّتِي

قَدَّسْتُ إِخْلَاصِي بِهَا وَمَآرِبِي

آمَنْتُ أَنِّي لَا أَعِيشُ كَمَا أَنَا

أَهْوَى، وَتَزْهُو فِي سَمَاكَ مَوَاهِبِي

إِلَّا بِأَنْ أَثْوِي بِمِحْرَابِ الْهَوَى

فِي طُهْرِ أَرْضِكَ بَيْنَ أُنْسِ حَبَائِبِي

وَبِأَنْ أَعِيشَكَ هَامَةً لَا تَنْثَنِي

أَبَدَ الْأَوَابِدِ، عِزَّةً لِلْجَانِبِ

إِنِّي أَنَا الْوَطَنُ الَّذِي سَاكَنْتَهُ

رُوحِي؛ فَأَصْبَحَ سُؤْدُدِي الْمُتَعَاقِبِ

تمثل هذه القصيدة تجربة غنائية وجدانية تتجاوز التعبير المباشر عن حب الوطن، لتعيد تشكيل مفهوم الوطنية بوصفه حالة روحية عميقة تتداخل فيها مشاعر الانتماء والحنين والفخر والوفاء، حتى يغدو الوطن في وجدان الشاعر أكثر من حيز جغرافي أو موطن للإقامة؛ إنه كيان روحي تتصل به الذات اتصالًا وجوديًا، وتستمد منه معناها وطمأنينتها وخصوبتها الداخلية. ومن هنا تتأسس التجربة الشعرية على حركة متنامية تبدأ من تمجيد الوطن والاعتزاز بمناقبه وإبائه، ثم تنتقل إلى استحضار تجربة الغربة والترحال، قبل أن تنتهي إلى ذروة من التماهي الوجداني بين الذات والوطن، حيث يتحول الوطن من مكان يسكنه الإنسان إلى حضور يسكن الإنسان نفسه.

وتتضافر في بناء هذه التجربة عناصر موسيقية ودلالية وبلاغية تجعل النص وحدة فنية متماسكة؛ فالموسيقى الخارجية بما تتيحه من انتظام وزخم إيقاعي، والموسيقى الداخلية بما تقوم عليه من تكرار وتناغم صوتي، لا تأتي منفصلة عن التجربة الشعورية، وإنما تتحول إلى وسيلة لتجسيدها وإبراز درجاتها المختلفة، ويبدو امتداد التفعيلات منسجمًا مع اتساع التجربة الشعورية لدى الشاعر، فلا تصبح الأبيات مجرد عبارات تقريرية عن الوطن، وإنما تتدفق في إيقاع متأنٍّ يمنح المعنى شيئًا من الجلال والرسوخ.

ويتكامل الإيقاع الخارجي مع القافية التي ينتظم بها النص، ولا سيما حرف الباء المكسورة في أواخر الأبيات، وهو روي يمنح القصيدة نغمة خاصة تتراوح بين القوة واللين. فالباء بما فيها من جرس واضح، مع الكسرة التي تستقر عليها، لا تنتج نغمة صاخبة بقدر ما تمنح القافية امتدادًا وجدانيًا يميل إلى الشجن والحنين. ومن ثم فإن الموسيقى هنا لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تسهم في تشكيل الحالة النفسية للنص؛ إذ يلتقي جلال الموضوع الوطني بنبرة داخلية حميمة، فيبدو الفخر ممزوجًا بالحنين، والاعتزاز متداخلًا مع إحساس عميق بالارتباط الروحي بالمكان.

أما الإيقاع الداخلي فيتولد من مجموعة من الوسائل التي تجعل النص أكثر تماسكًا من الناحية الصوتية والدلالية، وفي مقدمتها التكرار. فتكرار الألفاظ ذات الحمولة الشعورية، مثل (وطن)، وتكرار صفة (خضراء) في قول الشاعر: (ففي ترابك نبتة خضراء / خضراء تحيا دون قطر)، لا يقتصر أثره على التأكيد، وإنما يؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية في آن واحد. فإعادة اللفظة تجعل الصورة أكثر رسوخًا في الذاكرة، وتمنحها زمنًا إضافيًا للتأمل، كما أن تكرار (خضراء) يوحي بإصرار الحياة على الحضور والتجدد، ويجعل الخضرة علامة رمزية على استمرار العلاقة بين الذات والوطن. ويظهر الأمر نفسه في تكرار اسم الإشارة، إذ يتحول التكرار إلى نوع من الترجيع الموسيقي الذي يوازي إصرار الذات على تثبيت حضور الوطن في الوجدان.

وتسهم الأصوات المتكررة في عدد من المفردات، ولا سيما أصوات الهمس والصفير، في تشكيل نسيج صوتي يتناسب مع بعض الصور التي يستدعيها النص، كصور الخضرة والتراب والارتواء والامتداد في الفيافي والسباسب. فالتجانس الصوتي بين مفردات مثل (السوداء) و(السباسب) و(الفدافد) لا ينفصل عن الدلالة، إذ تمنح هذه الأصوات النص حفيفًا داخليًا يخفف من صرامة الإيقاع الخارجي، ويقربه من طبيعة التجربة الوجدانية التي تقوم على المناجاة والتذكر واستحضار المكان.

ومن الناحية الدلالية، يقوم النص على شبكة من الحقول المعجمية المتداخلة التي تكشف عن تطور الرؤية الشعرية. فهناك حقل يرتبط بالقداسة والسمو، تتجاور فيه ألفاظ مثل (العلا) و(المناقب) و(الإباء) و(الشمس) و(قبلتك) و(قدست) و(محراب) و(طهر)، وحقل آخر يرتبط بالحياة والخصوبة، ويتجسد في ألفاظ (نبتة) و(خضراء) و(ترتوي) و(السكب) و(الثرى)، إلى جانب حقل الاغتراب والترحال الذي تستدعيه مفردات مثل (رحلت) و(حقائبي) و(فدافد) و(سباسب). ولا تعمل هذه الحقول منفردة، وإنما تتفاعل فيما بينها لتكوين رؤية واحدة تجعل الوطن مصدرًا للحياة والخصوبة والسمو، في مقابل عالم الغربة بما يحمله من مسافات وجفاف وافتقاد.

ويبدأ المسار الدلالي من إحساس واضح بالشموخ والتحدي، حيث يقدم الشاعر وطنه في صورة كيان أبيّ عصيّ على الانكسار، كما في قوله: (تحيا أبيًّا رغم أنف اللاعب). فالوطن هنا ليس موضوعًا للمديح فحسب، بل ذات فاعلة تمتلك القدرة على مقاومة العابثين والمحافظة على كرامتها. ويتعزز هذا المعنى باستدعاء صور العلو والضياء، بحيث يصبح الوطن مصدرًا للرفعة والنور، ويغدو ارتباط الشاعر به تعبيرًا عن اعتزاز يتجاوز حدود العاطفة الفردية.

غير أن القصيدة لا تستقر عند مستوى الفخر، بل تنتقل إلى تجربة أكثر خصوصية حين تستحضر الغربة والترحال. فالحقائب والأسفار والمسافات تبدو في ظاهرها علامات على الابتعاد عن الوطن، لكنها في العمق تكشف عن عجز الجسد عن الانفصال عن المكان الذي استقر في الروح. وهنا تتجلى أكثر صور القصيدة دلالة في تشبيه الفؤاد بالنبتة الخضراء التي تنبت في تراب الوطن وتحيا منه. فحين يقول الشاعر: (الفؤاد في ترابك نبتة خضراء)، فإنه يحول القلب من عضو مادي إلى كائن حي متجذر في الأرض، ويجعل التراب مصدرًا لبقائه ونمائه. وتزداد الصورة عمقًا حين تقترن بفكرة الارتواء؛ فالوطن لا يمثل مكانًا يقيم فيه الشاعر، وإنما مصدرًا للحياة الروحية التي يستمد منها وجوده.

ومن هنا تتجاوز دلالة الغربة معناها الجغرافي لتصبح مفارقة بين حضور الجسد وغياب المكان، وحضور الوطن في الروح رغم غياب الجسد عنه. فالحقائب يمكن أن تحملها الذات بعيدًا، لكن القلب لا يستطيع أن يحمل الوطن بالطريقة نفسها؛ لأنه متجذر فيه. ولذلك تبدو المسافة الجغرافية عاجزة عن إنتاج اغتراب حقيقي، ما دام الانتماء قد أصبح جزءًا من تكوين الذات. وهذه الرؤية تمنح القصيدة بعدًا وجدانيًا يتجاوز الخطاب الوطني المباشر، لأنها تجعل الوطن علاقة داخلية لا تتوقف على القرب المكاني.

وتبلغ هذه الدلالة ذروتها عندما يستدعي الشاعر مفردات ذات حمولة دينية وروحية، مثل (قبلتك) و(محراب) و(قدست) و(يممت). فهذه المفردات تنقل العلاقة بالوطن من المستوى الاجتماعي والسياسي إلى مستوى رمزي شديد الكثافة، إذ يصبح الوطن قبلة تتجه إليها الروح، ومحرابًا تتجلى فيه أسمى معاني الوفاء والانتماء. ولا ينبغي فهم هذه المفردات بوصفها مجرد زخرفة لغوية، وإنما باعتبارها جزءًا من استراتيجية شعرية تسعى إلى التعبير عن شدة التعلق بالمكان من خلال معجم القداسة. وبذلك يصبح حب الوطن في النص تجربة شبه روحية، ترتبط بالطهر والوفاء والإخلاص، لا بمجرد الشعارات أو العبارات المباشرة.

أما على مستوى علم المعاني، فتظهر قيمة الأساليب التركيبية في توجيه الدلالة وتعميق الانفعال. ويمنح حذف أداة النداء في مثل تركيب (وطن المكارم) إحساسًا بالقرب الوجداني، وكأن الشاعر لا يخاطب مكانًا بعيدًا، وإنما يتوجه إلى كيان حاضر في أعماقه. كما يؤدي القسم، في مثل قوله (وحياة روحك)، وظيفة توكيدية تتجاوز مجرد الإثبات، لأنه يكشف عن درجة عالية من الانفعال والتعظيم. كذلك يأتي الاستفهام في نحو (أي أرض تفتدى إلا حياضك) في سياق إنكاري يؤكد اختصاص الوطن بالتضحية والفداء في رؤية الشاعر، فيصبح الاستفهام وسيلة لإقرار المعنى لا لطلب الجواب.

وتكمن القيمة الجمالية للتجربة في أن الشاعر لا يقدم وطنيته في صورة خطاب مباشر قائم على الشعارات، وإنما يحولها إلى تجربة شعرية تتكامل فيها الموسيقى مع الصورة، ويتداخل فيها الواقعي بالرمزي، ويتحول المكان إلى كيان روحي. فالوطن في هذه القصيدة ليس مجرد أرض، وإنما ذاكرة وكرامة وهوية ومصدر للحياة. ومن هنا يصبح حضور مفردات القداسة والخضرة والارتواء والإباء جزءًا من منظومة رمزية واحدة، تجعل الانتماء فعلًا داخليًا متجذرًا لا يتأثر بتغير المكان أو امتداد المسافات.

وبذلك تنجح القصيدة في بناء تجربة وطنية ذات بعد وجداني عميق، تجمع بين فخامة الإيقاع الكلاسيكي وشفافية الصورة الشعرية، وتستثمر الطاقة البلاغية في تحويل الوطن من مفهوم مجرد إلى كيان حي يتنفس في وجدان الشاعر. ويظل أكثر ما يميز هذه التجربة هو ذلك التماهي المتدرج بين الذات والوطن، وبذلك تنتقل العلاقة من مجرد الانتماء إلى نوع من الحلول الوجداني الذي تصبح فيه الأرض جزءًا من تكوين الإنسان، ويغدو حبها صورة من صور الوفاء للذات والذاكرة والوجود.

** أستاذ النقد والبلاغة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z