تحولات بنيوية في شرائح الدخل المرتفع

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

رصدنا حالات، وهي تعكس تحولات في شرائح ذات الدخل المرتفع بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والصيانة والخدمات بحيث تجعلها تعيد النظر في نمط حياتها التي أسستها على المبالغة في المظهرية والتقليد، حيث تتجه إلى بيع المنازل الفاخرة ذات المساحات الكبيرة، والانتقال إلى مساكن أصغر وأكثر عملية، رغم أنها قادرة على دفع التكاليف حتى الآن على الأقل، لكنها بتكلفة معيشة أكبر، ووراؤها قناعة أن ارتفاع التكلفة سيزداد ولن ينخفض، وأنها- أي التكلفة- ستأكل الكثير من الدخل شهريًا؛ لذلك فهي تضطر إلى إعادة التكيف مع التطورات الجديدة حتى لا تستنزف مواردها المالية.

هنا مؤشرات مهمة على تأثير السياسة المالية على شرائح الدخل المرتفع خاصة، والمجتمع عامة، والمؤشرات نفسها على تغليب الواقعية من قبل هذه الشرائح تحت إكراهات ارتفاع تكلفة المعيشة، أي أنها بصدد الانتقال من الترف إلى الترشيد، كما أنه مؤشر يفتح لنا قضية إعادة تعريف الرفاه بعد نجاح خطة التوازن المالي، فهل هذه الواقعية متأخرة أم في توقيتها المناسب؟ ولماذا لم تأتِ كقناعة مجردة تلقائية دون إكراه ارتفاع التكلفة؟

ربما علينا تجاوز هذين السؤالين وإشكاليتهما في هذا المقال، ونَتَجِّه إلى تأطير هذا الاتجاه بهدف تعميم واقعيته على نطاق واسع؛ فالمسكن الفاخر الكبير لم يعد مؤشرًا على الثراء أو بمعنى أدق على السعادة إذا كان يستهلك جزءًا مُتزايدًا من الدخل، وقد كشف لي أحدهم رقمًا كبيرًا يُنفقه على أساسيات المعيشة مثل الكهرباء والماء والصيانة والتشغيل، وهذا المسار لن يقتصر على الشرائح ذات الدخل المرتفع؛ فهو واقع يزداد هاجسه على مختلف الشرائح الاجتماعية، مع التباين، ويتعاظم كلما يتم تحرير الدعم الحكومي على خدمات أساسية في ضوء سياسة الضرائب والرسوم.

لكنه، في المقابل سيصنع ثقافة اجتماعية جديدة تحت وطأة تلكم الإكراهات، لن تستغرق فترة زمنية طويلة، وقد بدأت مع تحولات الشرائح ذات الدخل المرتفع، وقبلها مع تحول سلوكيات ما دون الشرائح ذات الدخل المرتفع. وتقود الآن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني ترسيخ هذا الواقع؛ سواء عبر دعم تملك المواطنين لشقق في مجمعات عصرية متكاملة الخدمات أو ضمانة الشراء من مكاتب التطوير العقاري التي انتشرت بصورة كبيرة، مما يعني أن وراء مثل تلكم التحولات إرادة تغييرية مستهدفة بذاتها، ربما لدواعي تحولات اجتماعية مخطط لها، أو هي لمساعدة المواطنين على التوجه نحوها في ضوء إعادة النظر في سياسة منح الأراضي الحكومية للمواطنين بالمجان كما كانت سابقًا.

رصدنا كذلك مؤشرات على التحول الرأسي وليس الأفقي في عمليات البناء، وهنا وعي في التكييف الديناميكي مع هذا المسار، فعوضًا عن البناء على معظم مساحة الأرض المخصصة، يجري الآن التمدد رأسيًا. وهذا الخيار محكوم عليه بالتصاعد، خاصة عند الجيل الجديد، لأنه خيار مرحلتهم، فلن يتمكن من البناء الأفقي للكلفة العالية، وحتى عملية البناء نفسها قد تصبح من الخيارات الصعبة أو المستحيلة في ظل حجم المرتبات الحالية، لذلك الخيار الممكن شراء الشقق مع الدعم الحكومي، وهذا بدوره كفيل بأن يصنع ثقافة جديدة قائمة على مساحة سكنية أقل، وبجودة حياتية معقولة في إطار الأسرة النووية (الأم والأب وأطفال أقل).

وستتأثر كثيرًا وبعمق الأسرة الممتدة التي تتكون من الأب والأم والأبناء والجد والجدة والخال والخالة بسبب تلكم التحولات؛ مما سيحدث معها فقدان الأسرة شبكة الدعم النفسي والتربوي وحتى المالي؛ فهي- أي الأسرة الممتدة- تمنح أفراد الأسرة الشعور بالأمان والاستقرار، وتساعد في قضايا التربية ونقل القيم والأخلاق والعادات بين الأجيال، وهذا أعمق ما في هذه التحولات، بمعنى أنها لن تتوقف عند أنماط الاستهلاك فحسب.

ومن اللافت أن التأثير السلوكي أسرع وأعمق من التأثير الثقافي بهذه التحولات؛ فهذه الأخيرة تحتاج لوقت أكثر حتى يتم الاقتناع بالترشيد عن طريق الثقافة، لكن الواقع يحملهم إلى الترشيد كسلوك ضاغط، وسيتعزز بالممارسة والتجربة، وهذا يفسر الترشيد من قبل شرائح الدخل المرتفع كاستجابة قهرية لإكراه ارتفاع الكلفة، ومع الاستمرارية سيتحول تدريجيا إلى ثقافة، وهي في الأساس ستكون ثقافة الجيل القادم. لكن ماذا عندما يخفق الترشيد في صناعة جودة الحياة؟!

جودة الحياة مفهوم شامل يتجاوز الجانب المادي والدخل المالي ليقيس مدى تحقيق السعادة والتوازن النفسي والجسدي والاجتماعي وفقًا لقيم وثقافة الفرد، هنا تستوجب مراجعة حجم المرتبات وجعل الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء في المتناول الاجتماعي لا فوق طاقته المالية. عمومًا نحن في حقبة تتغير الكثير من المفاهيم الأساسية التي شكَّلت الثقافة المجتمعية، وبدأت تظهر فوق السطح أهم المتغيرات القهرية، وستتوالى تباعًا، مما سيُعيد نظرة المجتمع للأشياء والعلاقات، وهذا كله سينصب إيجابًا على الوعي الاجتماعي، لكنه في المقابل سيفتح إكراهات غير مسبوقة؛ وذلك في ظل توجه الدولة نحو القطاعية الثلاثية، وهي: القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع المدني، بعد صدور قانون مؤسسات المجتمع المدني الجديد في يونيو 2026.

ومن بين أهم ما يميز هذا القانون، الانتقال من مفهوم الجمعيات إلى مفهوم أوسع، وهو مفهوم مؤسسات المجتمع المدني، والكثير من النُخب الحكومية التي التقينا بها في خريف 2026 تراهن على هذه القوة الثلاثية، وتُقِر بالتأخير في قوة المجتمع المدني، لذلك، هناك حاجة ماسّة إلى قراءة القانون سياسيًا لا قانونيًا فقط في ضوء ما يُراد للمجتمع أن يتحول من مُتلقٍ للدعم إلى شريك تنموي.

الأكثر قراءة

z