البطولة لحظة.. والاستمرار منظومة

 

سالم بن ربيع الغيلاني

بعيدًا عن ضجيج النتائج وردود الأفعال التي تصاحبها، بات واضحًا أن منتخبنا ليس جاهزًا بعد ليكون فرس رهان في "خليجي 27"؛ ليس لأنَّ الموهبة غائبة، أو لأنَّ الفريق يفتقد القدرة على مقارعة منافسيه، وإنما لأن ما نشاهده اليوم هو فريق ما زال في أولى مراحل البناء، يبحث عن شخصيته ويحاول تثبيت أسلوبه وسط واقع كروي لا يوفر له كل مقومات المنافسة.

ورغم الأداء المميز الذي قدمه الأحمر في الشوط الثاني أمام العراق، وظهور أكثر من لاعب بمستوى لافت، مثل الموهوب ناصر الرواحي والمُتمكِّن إبراهيم المخيني، إلى جانب عدد من اللاعبين الذين يخوضون غمار هذه البطولة للمرة الأولى، إلّا أن الصورة العامة على المستويين التكتيكي والتكنيكي تؤكد أن مشوار إعداد هذا الفريق وتجهيزه ما زال طويلًا، وأن هناك عملًا كبيرًا ينبغي القيام به قبل أن نصبح قادرين على مجاراة منتخبات مثل السعودية وقطر والإمارات والعراق في الاستحقاقات التي تعتمد على النفس الطويل، لا على مباراة أو بطولة خاطفة قد تتداخل في نتائجها عوامل كثيرة لا تعكس بالضرورة موازين القوة الحقيقية.

الخسارة ليست كل الحكاية

اعتاد العديد من الجماهير والنخب الرياضية عند حدوث الخسائر الهرب إلى الأمام بدلًا من طرح الأسئلة الصعبة أو محاولة سبر الحقائق المتوارية خلف النتائج، فإما أن يحملوا المدرب المسؤولية، أو يلقوها على عاتق اللاعبين، أو يحملوا الطرفين معًا تبعات كل إخفاق، بينما الأمر في جوانبه المتداخلة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

قبل أن نحاكم المدرب واللاعبين ينبغي أن نسأل: هل نحن أكثر جاهزية من خصمنا؟ هل لدينا فلسفة كروية واضحة؟ هل لدينا دوري قادر على إعداد اللاعبين للمنافسة الدولية؟ هل تتوافر لهم ظروف حياتية ومهنية تساعدهم على التطور والاستقرار؟ وهل نملك منظومة فنية وإدارية تتمتع بالكفاءة والاحترافية الكافيتين؟ هذه ليست أسئلة للبحث عن مبررات للخسارة، وإنما لفهمها والنظر إليها بتجرد؛ فعندما يكون لدينا دوري لا يتجاوز 26 مباراة في الموسم، ويغيب الاحتراف الحقيقي، ويمارس اللاعبون كرة القدم إلى جانب وظائفهم الصباحية والتزاماتهم الحياتية الأخرى، فإننا لا نستطيع فصل ذلك عمَّا نشاهده داخل الملعب؛ لأن الجاهزية البدنية وسرعة اتخاذ القرار والمحافظة على التركيز والتعامل مع الضغط والثبات في الأداء طوال تسعين دقيقة ليست صفات تظهر فجأة عندما يرتدي اللاعب قميص المنتخب، وإنما نتاج بيئة كروية كاملة يعيش فيها ويتدرب وينافس من خلالها طوال الموسم.

حين لا يقف الجميع على الأرضية نفسها

من غير المنطقي تفجير حِمَمِ غضبنا لأننا خسرنا أمام منتخب يفوقنا في التجهيز، ويملك دوريًا عالي التنافسية يلعب فيه نجوم عالميون، وقاعدة واسعة من اللاعبين الموهوبين، ثم نتصرف بعد المباراة وكأن الفريقين دخلا إليها وهما يقفان أصلًا على الأرضية نفسها. الخسارة أمام منتخب كالسعودية، في ظل الفوارق القائمة في الإعداد والإمكانات والبيئة الكروية، أمر وارد ومتوقع، بينما قدرتنا على مجاراة مثل هذه المنتخبات والتفوق عليها هو غير المألوف والمفاجئ. وهذا لا يلغي أن كرة القدم لا تعترف خلال دقائق المباراة التسعين إلّا بما يقدمه اللاعبون داخل الملعب؛ فالفرق الكبيرة تخسر أمام الصغيرة، والقوية أمام الأقل منها قوة، لكن ما يستحيل هو أن يصبح ذلك قاعدة ثابتة، وبالتالي لا يمكن أن نقيس فوزَنا في بطولة أو تصفيات على هذا الفريق أو ذاك باعتباره استحقاقًا ينبغي أن يتكرر دائمًا، أو دليلًا على أننا أصبحنا أفضل من منافس يتفوق علينا في معظم عناصر البناء والإعداد.

ولكي نُصبح أقوياء علينا أولًا أن نوفر العوامل التي تصنع القوة. فمنتخبنا، رغم فوزه ببطولتين خليجيتين وبلوغه النهائي في ست مناسبات كأكثر فريق خليجي بلغ النهائي منذ اعتماد نظام المجموعات، ظل في الرهانات الحقيقية والاستحقاقات التي تحتاج إلى استمرارية ونفس طويل بعيدًا عن الغايات الكبرى، وهنا تكمن إحدى مشكلات قراءتنا لكرة القدم؛ فنحن نبالغ أحيانًا في تقدير انتصار تحقق في بطولة قصيرة، مثلما نبالغ في هدم كل شيء بعد خسارة واحدة، بينما القياس الحقيقي لقوة المنتخبات ليس في قدرتها على صناعة لحظة استثنائية، وإنما في قدرتها على صناعة الاستمرارية.

مؤشرات مطمئنة.. وارتباك مقلق

وبالعودة إلى الحضور الخالي من الانتصارات لمنتخبنا في "خليجي 27"، فإن الصورة ليست قاتمة كما قد توحي به النتائج؛ فعملية البناء التي يقوم بها الجهاز الفني تمضي في اتجاه يمكن البناء عليه، وهناك بوادر واضحة لتكوين فريق قادر على خوض الاستحقاقات القادمة بصورة أفضل. الموهبة موجودة، والجهاز الفني أعطانا مؤشرات مطمئنة من خلال التحسن الواضح الذي يطرأ على أداء الفريق في الشوط الثاني، والروح العالية والكفاح المتواصل اللذين أظهرهما اللاعبون رغم التأخر في النتيجة، وإن كان من المبكر اعتبار ذلك دليلًا قاطعًا على التفوق في «شوط المدربين»، لأن المنافس المتقدم قد يغير هو الآخر من طريقته ونسقه، إلّا أن قدرة الجهاز الفني على تغيير شكل الفريق أثناء المباراة تظل مؤشرًا إيجابيًا يستحق البناء عليه.

وفي المقابل، هناك مشكلة واضحة ينبغي التوقف عندها، وهي حالة الارتباك التي يعيشها المنتخب خلال نصف الساعة الأولى؛ وهي فترة كلفتنا هدفًا أمام العراق وثلاثة أهداف أمام السعودية. الأمر هنا لافت للغاية، ولا ينبغي اختزاله في أخطاء فردية أو سوء تركيز عابر، بل يحتاج إلى تحليل أسبابه؛ هل يتعلق بالدخول الذهني للمباراة، أم بتمركز اللاعبين، أم بصعوبة التعامل مع الضغط المبكر للمنافس؟ خصوصًا أن الصورة تتغير بعد هذه الفترة، فيبدأ منتخبنا في الإمساك بنسق المباراة، ويتقدم إلى الأمام ويصبح أكثر خطورة وحضورًا، وإن ظل يعاني أحيانًا من غياب التركيز، وهي من السمات التي يمكن أن تظهر لدى فريق لا يزال يؤسس أسلوبه ويبحث عن الثبات الفني والذهني.

السكتيوي ليس موضع القلق الأكبر

ومن هذه الناحية لا يبدو الجهاز الفني بقيادة المغربي طارق السكتيوي موضع القلق الأكبر في هذه المرحلة؛ فالمدرب، كما يبدو، استطاع أن يجسر علاقة إنسانية جيدة مع لاعبيه، وهي من أهم الأسلحة التي تساعد المدربين على تطويع إمكانات اللاعب العماني والارتقاء بها، وقد شاهدنا أثر ذلك في تجارب سابقة مع الإيراني حشمت مهاجراني والتشيكي ميلان ماتشالا والهولندي بيم فيربيك. لكن الخشية كل الخشية من استمرار حالة الارتباك والتخبط التي تعيشها المنظومة الرياضية على مستويات تنظيم المسابقات وتوفير الإمكانات ورسم الخطط والاستراتيجيات وتهيئة الظروف الملائمة للاعبين، ثم الانجراف مع الزوابع التي تثيرها النتائج السلبية، فنطالب عند كل إخفاق بتغيير المدرب واللاعبين بينما نترك البيئة التي أنتجت مشكلاتنا كما هي؛ إذ كيف نطالب لاعبًا يقضي جزءًا من يومه في وظيفة صباحية بأن ينافس لاعبًا يعيش يومه كاملًا محترفًا لكرة القدم؟ وكيف نطالب منتخبًا بالثبات على مستوى عالٍ بينما لا يخوض اللاعب في مسابقته المحلية ما يقارب 32 مباراة في الموسم موزعة بين الدوري والكأس في حال مشاركته في جميع المواجهات؟ هذه ليست مبررات للفشل، بل أسباب ينبغي تغييرها إذا كنا فعلًا نريد النجاح.

المنتخب ليس كيانًا منفصلًا عن كرة القدم في البلد، ولا يمكن أن يكون احترافيًا بالكامل إذا كانت البيئة التي يأتي منها اللاعبون بعيدة عن الاحتراف؛ فما نراه خلال تسعين دقيقة مع المنتخب هو، في جانب كبير منه، حصيلة شهور من العمل في الأندية، ونوعية المسابقات، وحجم التدريب، وعدد المباريات، وظروف اللاعب، وكفاءة الإدارة، والتخطيط. لذلك فإن مطالبة المنتخب وحده بتجاوز كل هذه الفوارق بمجرد تجمع قصير أو معسكر أو تغيير مدرب ليست سوى محاولة لمعالجة النتيجة وترك أسبابها، وهي الدائرة ذاتها التي ندور فيها منذ سنوات كلما أخفقنا في استحقاق وذهبنا نبحث عن الحلقة الأسهل لكسرها.

ولهذا فإن الفشل الذي يكشف مكامن الخلل في أولى مراحل البناء قد يكون أكثر فائدة من نجاح مهزوز يحجبها؛ لأن الفشل يوقظ الحواس ويدفع للبحث عن مكامن الخلل وتصحيحها، بينما النجاح العابر، والقائم في كثير من الأحيان على التوفيق والظروف المواتية، قد يتحول إلى كمين تتهاوى بسببه أحلامنا إذا أقنعنا أنفسنا بأن نتيجة عابرة تعني أننا أصبحنا حيث نريد. وقد فُزنا بـ"خليجي 19" ثم خرجنا من تصفيات آسيا، وفُزنا بـ"خليجي 23" ثم خرجنا من تصفيات كأس العالم، وهي تجارب يُفترض أن تكون قد علمتنا أن صناعة اللحظة شيء، وبناء منتخب قادر على الاستمرار شيء آخر تمامًا.

ماذا نريد من كرة القدم العُمانية؟

لذلك، قبل أن نسأل لماذا خسرنا مباراة، علينا أن نسأل ماذا نريد من كرة القدم العُمانية أصلًا، وما المُهم وما الأهم؟! هل غايتنا منتخب قادر على اقتناص بطولة قصيرة عندما تتوافق الظروف، أم منظومة قادرة على إنتاج منتخب ينافس باستمرار في كأس آسيا وتصفيات كأس العالم، دون أن يمنع ذلك بالطبع من المنافسة على كأس الخليج والفوز بها؟ فالمنتخبات القوية لا تصنعها ردة فعل بعد خسارة، ولا نشوة انتصار عابر، وإنما مشروع يعرف إلى أين يريد أن يصل، ويوفر الأدوات التي توصله إلى هناك. وحين نحدد ما نريد ونرتب أولوياتنا وفق ذلك، سنتوقف عن أن نكون أسرى لنتيجة مباراة؛ نفوز فنعتقد أننا وصلنا، ونخسر فنقرر أن نهدم كل شيء ونبدأ من جديد!

اللحظة قد تصنع بطولة، أما الاستمرار فلا تصنعه إلّا منظومة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z