د. عبدالله باحجاج
هناك سياقات كثيرة تقف وراء توجيه عاهل البلاد جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله- بتقييم شامل للاختصاصات الممنوحة للمجالس البلدية وتكامل عملها مع أعمال المحافظين، خلال اجتماع مجلس الوزراء في صلالة يوم الثلاثاء الماضي، ودعوة جلالته في الوقت نفسه إلى المشاركة المجتمعية الفعالة في انتخابات الفترة الرابعة للمجالس لاختيار الكفاءات، وهذا الربط يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل المحلي يكون فيها المجلس البلدي في كل محافظة أكثر قدرة على التعبير عن الأولويات المحلية، وفي المقابل يكون المحافظ أكثر قدرة على تحويلها إلى خطط وبرامج ومشروعات، وهذه الهندسة أصبحت الآن من دواعي استدامة الاستقرار وبالذات الاجتماعي بعد أن ترسخت التحولات المالية والاقتصادية الجديدة في البنيات الاجتماعية والاقتصادية.
ومن أبرز هذه السياقات:
- السياق الزمني: بدأت رسميًا التجربة الحديثة للمجالس البلدية في بلادنا، عام 2011، وهذا يعني أنَّ التوجيه السامي بالتقييم الشامل لاختصاصات المجالس البلدية، والعمل على تكاملها مع أعمال المحافظين يأتي بعد هذه التجربة الطويلة التي عمرها 16 عامًا، ويأتي في ظل الرهانات الوطنية لمسيرتنا المتجددة على المجالس البلدية ونظام المحافظات والمحافظين في صناعة التنمية المحلية الحديثة، وإدارة الرضا المجتمعي؛ فبلدٌ كسلطنة عُمان مترامية الأطراف وثقلها الديموغرافي والجيوستراتيجي وتعددها وتنوعها لا تصلح فيها المركزية.
- السياق السياسي: وهو يتجلى في اعتبار كل محافظة كوحدة للتنمية والاستقرار المحلي بعد تعزيز نظام اللامركزية خلال السنوات الماضية عبر منح المحافظات استقلالًا إداريًا وماليًا، وربط ذلك بأهداف رؤية "عُمان 2040"، كما أن أولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة في الرؤية تستهدف تمكين المحافظات والجهات الخدمية فيها، وتعزيز اللامركزية، وتمكين المجتمعات للمساهمة في صياغة أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية ضمن إطار اللامركزية الإدارية والاقتصادية.
- السياق المؤسسي: ويأتي في إطار تطور منظومة الإدارة المحلية في البلاد عبر تفعيل نظام اللامركزية، وكذلك يأتي في ضوء القناعة السياسية بأنه الخيار الأمثل لإدارة التنمية المحلية وصناعتها واعتبارها بوابة الاستقرار الاجتماعي.
- السياق التنموي: فقد أصبح تحقيق التنمية المحلية الآن أكثر تعقيدا، فلم يعد مجرد رصف طريق أو إنشاء حديقة، وإنما صناعة اقتصاديات محلية، ومدن مستدامة، وسياحة، وتخطيط عمراني، ومشاركة مجتمعية، وتنافسية المحافظات.
ومن هذه السياقات، فإنَّ التوجيه السامي يفتح ملف الصلاحيات للمجالس البلدية وتكاملها مع نظام المحافظات والمحافظين، ويطرح سؤالًا كبيرًا مفاده: كيف نجعل هذه المجالس أكثر فاعلية داخل منظومة الإدارة المحلية؟
التوجيه السامي مبني على معطيات مدروسة تكشفها حاجة التطور نفسه، فقبل هذا التوجيه عقدت وزارة الداخلية ندوة المجالس البلدية في 2023، وكان محورها الرئيس "تكامل أدوار أعضاء المجالس البلدية مع المحافظين"، ودعت توصيات الندوة إلى تفعيل الاختصاصات المقررة قانونًا للمجالس بما لا يتعارض مع نظام المحافظات، وإلى وضع معايير لقياس الأداء وزيادة تكامل أعمال المجالس.
هذا يعني أن التقييم الشامل للمجالس البلدية، والتكامل مع المحافظين هو الآن في طور الانتقال من مرحلة التأسيس والتجربة إلى مرحلة المراجعة والنضج المؤسسي، بهدف تحقيق رؤية "عُمان 2040" التي تتحدث عن مجتمعات محلية ممكنة تسهم في صياغة أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية ضمن إطار اللامركزية الإدارية والاقتصادية. وقد استشرفتُ مثل هذه الخطوات في مقال نُشر في جريدة الرؤية بعنوان "الفترة الرابعة للمجالس البلدية.. والوعي الجديد" في 5/4/2026، كما أجرت معي إذاعة سلطنة عُمان (برنامج أستديو الظهيرة) حوارًا حول هذا المقال.
واللافت أنَّ دعوة جلالته بالتقييم والتكامل قد تزامنت مع دعوته- حفظه الله- إلى المشاركة الفعَّالة في انتخابات الفترة الرابعة المقبلة، وهذا ما يجعل التفكير يذهب نحو القناعة السياسية بنُضج العمل المؤسسي للامركزية، وأنها تحتاج إلى دعم إضافي، وهذا له مجموعة غايات كبرى، منها أنها ستخفف بعض الأعباء الكبرى على المركزية، وتجعلها مُتفرِّغة في هدوء من الضغوطات المحلية التي ستتحول بوصلتها من رأسية/ عمودية؛ أي مركزية، إلى أفقية؛ أي محلية، وهذه هندسة سياسية قُلنا عنها في المقال الصحفي والحوار الإذاعي إنها مُناسِبة للحقبة الزمنية الراهنة وتحدياتها المستقبلية، كما أنها تمكن كل مجتمع مُحلي من صناعة وإدارة تنميته وفق رؤية "عُمان 2040".
وهذه الرؤية لا تجعل تفكيرنا يذهب نحو منح المجالس البلدية مزيدًا من الصلاحيات وإعادة تعريف علاقتها بنظام المحافظات والمحافظين فحسب، وإنما الذهاب باتجاه منح صلاحيات أكثر من المركزية لصالح اللامركزية، وكل من يطلع على أداء المجالس البلدية وعلاقتها مع المحافظين- ظفار نموذجًا- سيخرج بنتيجة أن تجربة الأداء والمسؤولية قد نضُجت، وتجاوزت صلاحيات تقديم الآراء والمقترحات والتوصيات في الجوانب الخدمية والتنموية، وتصل الحاجة إلى تحديد الأولويات المحلية وصناعة القرار وامتلاك الموارد اللازمة، والرقابة على تنفيذ الخطط والسياسات المحلية، وبذلك تتحقق هندسة إدارة البوصلة في حالة أي إخفاق أو استياء اجتماعي من تحميل المسؤولية راسيًا إلى أفقيًا.
لذلك، فإنَّ الحقبة التي تمُر بها بلادنا تستوجب أن تُعظِّم أي عملية تقييم وتكامل للعلاقة الوجودية- أي القانونية- للمجالس البلدية والمحافظين؛ فالمجالس تمثل صوت كل مجتمع محلي، بينما يُمثل المحافظ القيادة التنفيذية للمحافظة، والتنسيق بين أجهزة الدولة فيها، فعلى المجلس البلدي في كل محافظة أن يقرر ماذا يحتاج المجتمع؟ وما الأولويات في خطة كل محافظة، والرقابة على تنفيذ الخطط والسياسات. وبهذا تتحقق هندسة إدارة البوصلة من رأسية/ عمودية إلى أفقية؛ أي من المركزية إلى اللامركزية، وبذلك ستجد المركزية نفسها في منأى عن أية ضغوطات محلية، ومُتفرغة للمهام الوطنية الحاكمة لقضايا التنفيذ والتسيير.. إلخ.
ومما تقدم نتفهَّم المُسوِّغات التي تربط بين التقييم والتكامل وبين اختيار أعضاء جُدد أكثر كفاءة، فوراؤها أن بلادنا في مرحلة جديدة ينبغي أن تُستثمر فيها قدرة المجتمع المحلي؛ ففي كل مجتمع محلي مخزون بشري من الخبرات والتخصص والوعي، لذلك فإنَّ الفترة الرابعة تحتاج إلى مجالس أكثر خبرة ووعيًا وقدرة على العمل، وعلى الناخب أن يُدرك ذلك، ويختار من سيُمثِّل احتياجات مُحافظته وولايته وطموحاتها خلال السنوات الأربع المقبلة.
