لماذا بقيت مصر خارج "اتفاق مكة"؟

 

 

 

محمد السعداوي **

في الأيام الماضية ومع توقيع الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، طرح كثير من المحللين تساؤلات وتكهنات حول أسباب غياب مصر عن الاتفاق رغم مكانتها وثقلها الإقليمي.

والواقع أننا نطرح تساؤلات عن تحالف إقليمي يضم ثلاث دول لا تتشارك في حدود فعلية، ولا في عدو مشترك واضح ومحدد؛ فالدول الثلاث متباينة أمنيًا. باكستان يشغلها الصراع التاريخي مع الهند وإقليمها الآسيوي، بينما السعودية يرتكز أمنها على الخليج وإيران واليمن والمنشآت النفطية، أما تركيا فمشاغلها الأمنية تبدأ من سوريا والعراق وتنتهي في القوقاز وشرق المتوسط، إلى جانب عضويتها في حلف الناتو.

أما أولويات الأمن المصري؛ فهي الصراع الأزلي مع إسرائيل وأمن غزة والصراع في ليبيا والسودان والبحر الأحمر وسيناء وسد النهضة وأمن مياه النيل.

فإذا كانت كل هذه الدول أمنها متباين ومنفصل كلياً فلماذا التحالف، الأمر يحتاج إلى طرح تساؤلات أخرى هامة وضرورية، أهمها: لماذا سمي اتفاق مكة؟ وهذا التحالف ضد من؟ هل يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الخاسر أمام إيران) أن ينسحب ويُوكل الأمر لغيره؟ هذه التساؤلات وغيرها تحتاج إلى عدة مقالات وتحليلات.

لكن دعونا نبدأ من عنوان المقال، لماذا بقيت مصر خارج اتفاق مكة؟ رغم أن مصر تتمتع بعلاقات جيدة مع الدول الثلاثة، وشاركت في أربع اجتماعات للمجموعة الرباعية (مصر- السعودية- تركيا- باكستان)، بل واستضافت القاهرة أحدثها في 21 يونيو 2026. وأكدت مصر رغبتها في تطوير التعاون إلى إطار يدعم الاستقرار الإقليمي. وهنا عدد من النقاط التي أودُ التطرق إليها:

أولًا: هناك فارق بين المشاركة في المشاورات السياسية والانضمام إلى تعهد ملزم بالدفاع المتبادل؛ فمصر ليست دولة صغيرة على هامش المنطقة، ووزنها السكاني والعسكري والجغرافي والتاريخي يجعل مكانها الطبيعي بقلب أي معادلة أمنية شرق أوسطية عربية كانت أم إسلامية.

ثانيًا: إذا استعرضنا موقف مصر التاريخي من التحالفات العسكرية والعقيدة العسكرية المصرية. نجد أن مصر خلال فترة الاحتلال البريطاني، شاركت في الحرب العالمية الثانية بالدعم اللوجستي للحلفاء بموجب معاهدة 1936، ونتيجة لذلك تحولت الأراضي المصرية الى مسرح للمعارك الفاصلة وأشهرها معركة العلمين؛ حيث سمحت المعاهدة للقوات البريطانية بالتمركز في منطقة قناة السويس لحمايتها. وتعرضت الأراضي المصرية للغزو المباشر من قوات المحور (إيطاليا وألمانيا بقيادة الجنرال رومل).

تورُّط مصر- آنذاك- آثار غضب الشعب المصري وعبر عن هذا الغضب الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الشريف فوق منبر الأزهر: حيث قال "إن هذه الحرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل".

وبعد ثورة يوليو 1952، أي منذ قرابة 75 عامًا وحتى اليوم، لم تتخل مصر عن استراتيجيتها ومبادئها ومواقفها من الأحلاف العسكرية وفقًا لمصالحها القومية والوطنية؛ حيث رفضت الانضمام لأي حلف في ظل حالة الاستقطاب الدولي الحاد بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتصدت مصر لهذه التحالفات في الشرق الأوسط، وقادت منظمة دول عدم الانحياز، مما دفع أمريكا إلى الاعتماد على العراق لتأسيس "حلف بغداد" عام 1955م وضم إلى جانب بريطانيا، العراق وإيران وباكستان وتركيا.

وقفت مصر ضد الحلف وحشدت وشحنت الشعوب العربية عبر إذاعة "صوت العرب" فلم تنضم أي دولة عربية أخرى سوى العراق الى الحلف رغم الضغوط الأميركية والبريطانية. وسقط حلف بغداد خاويًا من أي أثر عام 1958م فلم يُكمل ثلاثة أعوام، وخلف ثورة في العراق انتهت بمقتل الملك فيصل الثاني ونوري السعيد، مما أفقد الحلف ركيزته العربية الوحيدة ومقره الرئيس في بغداد. وفي عام 2015، رفضت مصر أن تنضم الى "عاصفة الحزم" التحالف الذي قادته السعودية والإمارات للحرب في اليمن.

إذن.. ليس هناك ما يدعو الى الاستغراب أو الاندهاش والاستغراق في التحليلات، حول عدم انضمام مصر لتحالف مكة، فهذا الموقف يحسب للقيادة المصرية، التي تُدير دوائر علاقتها الخارجية من منطلق المصالح المشتركة والأمن القومي المصري وهو موقف ثابت تاريخيًا.

ومع ذلك؛ فمصر تحرص على الأمن القومي العربي فقد دعت لمبادرة لتأسيس جيش عربي مُوحد للحفاظ على وحدة الصف العربي، فلم يكتب لها النجاح وتم إجهاضها؟

بحسابات مصر فقط دون إملاءات وعبر التاريخ، رفضت القاهرة الدخول في أحلاف عسكرية، وبذات الحسابات السياسية قد تدخل مصر ضمن تحالفات إذا ما رأت المصلحة في ذلك. أما عن التساؤلات الأخرى وعقيدة الدولة المصرية وجيشها فلنا فيها حديث يتجدد.

** كاتب وناشر مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z