إسماعيل بن شهاب البلوشي
عادت بي الذاكرة إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلى زمنٍ كانت فيه بعض المشاهد تُحفر في الوجدان فلا تستطيع السنون محوها. كنت يومها أعود إلى صلالة لأرتاح ليلة واحدة من مواقع العمل التي كنَّا نؤدي فيها واجبنا، فإذا بي أمام مشهد بقي حيًّا في ذاكرتي إلى اليوم: مجموعة من الخيل، وبينها فارسٌ بهيّ الطلعة، مهيب الحضور، كأنما خرج من صفحات التاريخ العُماني ليقف أمامنا حيًّا.
لم يكن المشهد عابرًا. كان الناس يتجمعون من حوله، الكبار والصغار، يرقبون الخيل والفرسان بإعجاب واضح. لم تكن هناك حاجة إلى من يشرح معنى ما نراه؛ فالهيبة كانت تتحدث، والخيل كانت تتحدث، ووقار الفارس كان يتحدث. كان المشهد كله يقول إن لهذه الأرض تاريخًا، وإن للفروسية فيها مكانًا لا ينبغي أن يغيب.
ومنذ ذلك الزمن، بقيت الخيل في ذهني مرتبطة بالمناسبات الكبرى؛ تزيدها شموخًا، وتمنحها جمالًا وهيبة لا تصنعها الزينة وحدها. فالخيل في عُمان ليست مجرد وسيلة ركوب، وليست عنصرًا للفرجة فحسب؛ إنها جزء من تاريخ الإنسان العُماني، ومن ذاكرته العسكرية والاجتماعية، ومن صور الشجاعة والكرامة والأصالة التي تناقلتها الأجيال.
واليوم، وأنا أشاهد ما تشهده محافظة ظفار من مناسبات وفعاليات، وما تستقبله صلالة في مواسمها من أعداد كبيرة من الزوار من داخل السلطنة وخارجها، يلحّ عليّ سؤال: أين مهابة الخيل في هذه المناسبات والاحتفالات؟
كنت أتمنى أن أرى في هذه المواقع مجموعات مختارة من الفرسان، يمتطون خيولًا عربية أصيلة، ويرتدون لباسًا عُمانيًا رسميًا راقيًا يليق بالمشهد وبالمكان. لا أريدهم في زاوية بعيدة، ولا في عرض عابر ينتهي خلال دقائق، بل حضورًا منظمًا ومدروسًا، يتجول فيه الفرسان بين مواقع الفعاليات وفي الممرات الواسعة والأماكن المناسبة، فيشعر الزائر منذ اللحظة الأولى أنه أمام بلد يعرف كيف يقدم تاريخه وهو يمضي إلى المستقبل.
تخيلوا المشهد في صلالة: طبيعة خضراء، وضباب، وجبال، ووجوه قادمة من بلدان مختلفة، وبينها تمر مجموعة من الفرسان على ظهور خيولهم في هدوء ووقار، بلباس عُماني أنيق، وانضباط يلفت النظر. كم سيضيف ذلك إلى المكان من جمال؟ وكم صورة سيلتقطها الزائر ويحملها معه إلى بلده؟ وكم طفلًا عُمانيًا سيسأل أباه عن الخيل والفروسية وتاريخ أجداده؟
هنا تصبح الفروسية أكثر من عرض؛ تصبح رسالة للأجيال.
رسالة تقول للطفل العُماني: هذه بعض ملامح تاريخك.
ورسالة للشاب: إن الحداثة لا تعني التخلي عن رموز الأصالة.
ورسالة للسائح: إنك تزور وطنًا لم يبدأ تاريخه مع الفنادق والمهرجانات الحديثة، بل وطنًا عريقًا حمل رجاله السيف وامتطوا الخيل، وصنعوا تاريخهم بالشجاعة والعمل والانضباط.
إننا ننفق الكثير من الجهد والمال لتجميل المناسبات، ونبحث باستمرار عن الأفكار التي تجذب الزائر وتمنحه تجربة مختلفة، وهذا أمر محمود. لكن بعض عناصر الجمال موجودة أصلًا في تاريخنا، ولا تحتاج منا إلى اختراعها، وإنما إلى إعادة تقديمها بصورة تليق بعُمان اليوم.
والخيل واحدة من أجمل هذه العناصر؛ بل إنني أرى أن حضور الفرسان يمكن أن يتحول إلى علامة مميزة لبعض الفعاليات الكبرى في محافظة ظفار وغيرها من محافظات السلطنة، وفق تنظيم دقيق يراعي السلامة، ويختار الخيل المناسبة والفرسان المدربين واللباس الأجمل والأكثر وقارًا، ويحدد مسارات لا تعيق حركة الناس. عندها لن يكون الأمر استعراضًا عشوائيًا، وإنما لوحة عُمانية متحركة.
نحن بحاجة أحيانًا إلى أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد للزائر أن يتذكر عندما يعود من عُمان؟
هل نريد أن يتذكر المباني والمطاعم والأسواق فقط؟ أم نريد أن يحمل معه صورة الإنسان العُماني وتاريخه وهيبته وتراثه؟
المكان السياحي الناجح لا يقدم للزائر الترفيه وحده، وإنما يمنحه ذاكرة. وأقوى أنواع الذاكرة تلك التي ترتبط بمشهد لا يشبه غيره. وفارس عُماني يمتطي جوادًا أصيلًا في مشهد مهيب وسط جمال ظفار، يمكن أن يكون إحدى تلك الصور التي لا تُنسى.
لقد مضت نحو أربعة عقود على ذلك المشهد الذي رأيته في صلالة في منتصف الثمانينيات، ومع ذلك لم أنسه. وهذا وحده يكفي ليؤكد أن بعض الصور أقوى من الكلمات، وأن بعض عناصر التراث إذا قُدمت بهيبة وذوق تستطيع أن تعيش في ذاكرة الإنسان عشرات السنين.
ولذلك، فإن دعوتي ليست إلى العودة إلى الماضي، بل إلى إحضار أجمل ما في الماضي إلى الحاضر.
نريد عُمان الحديثة بكل ما وصلت إليه، ولكننا نريد معها عُمان الخيل والفروسية والشموخ. نريد أن يرى أبناؤنا أن المهابة ليست حكاية تُقرأ في الكتب، وإنما قيمة يمكن أن تمشي أمامهم على صهوة جواد. ونريد للزائر أن يرى في مناسباتنا شيئًا لا يستطيع أن يراه بالصورة نفسها في كل مكان؛ فالخيل ليست مجرد خيل عندما تحمل تاريخ وطن، والفارس ليس مجرد راكب عندما يمثل إرث أجيال.
أعيدوا للخيل حضورها في مناسباتنا، وأعيدوا للفارس مكانه في المشهد؛ فهناك أشياء لا تزيد المكان جمالًا فحسب، بل تمنحه شخصية وهيبة وذاكرة.
وعُمان، بتاريخها وفروسيتها، جديرة بأن تبقى المهابة جزءًا لا يتجزأ من حاضرها، كما كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من ماضيها؛ فبريطانيا ليست أفضل حضورًا في التاريخ من عُمان عندما جعلت من الخيل جزءًا من صورتها في الأماكن السياحية.
