السيادة الرقمية

 

 

 

 

 

د. عارف بن خميس الفزاري **

لم تعد السِّيادة في عصر الثورة الصناعية الرابعة (4.0) مرتبطة بالحدود البرية والمياه الإقليمية والمجال الجوي وحدها؛ فقد نشأ إلى جوارها فضاء رقمي تعبر خلاله البيانات والخدمات والأموال والمعرفة والقرارات في أجزاء من الثانية. ومع انتقال جانب متزايد من الوظائف العامة والاقتصاد والمجتمع إلى هذا الفضاء، أصبحت أسئلة من يملك البيانات؟ وأين تُخزَّن؟ ومن يدير البنية الأساسية؟ ومن يملك التقنيات والخوارزميات والقدرة على تشغيلها عند الأزمات؟ في صميم مفهوم السّيادة الرقميّة.

ويُمكن النظر إلى السِّيادة الرقميّة (Digital-Sovereignty) في ضوء ما تطرحه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2021) باعتبارها قدرة الدولة على تعزيز التحكم في أصولها وقدراتها الرقمية الاستراتيجية. فيما يوسع إطار منظمة التعاون الرقمي (2026) هذا المنظور ليشمل تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والسيطرة على البيانات والأنظمة وقواعد حوكمتها، إلى جانب البنية التحتية الموثوقة والشراكات والقدرات التشغيلية، مع الحفاظ على الانفتاح والتعاون الدولي الموثوق.

وتبدأ السِّيادة الرقميّة من البيانات باعتبارها أحد أهم أصول الاقتصاد الحديث. وهنا تبرز قضية «توطين البيانات» التي تعني في صورتها الأساسية، اشتراط تخزين أنواع من البيانات داخل حدود الدولة. غير أنَّ هذه القضية أصبحت موضع خلاف دولي؛ فبينما ترى بعض الدول في التوطين وسيلة لتعزيز قدرتها التنظيمية وحماية البيانات، تدافع الولايات المتحدة عن حرية تدفق البيانات عبر الحدود وتعارض فرض التوطين الإجباري على الشركات. وقد أوضح البروفيسور تشاندر (2018)، في مقال نشره مركز الفكر الأمريكي مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) بعنوانThe Coming North American Digital Trade Zone، أنّ اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (United States–Mexico–Canada Agreement) تضمنت أحكامًا ضد متطلبات توطين البيانات، بما يدعم التجارة الرقمية وتدفق المعلومات والخدمات عبر الحدود.

وهذا الجدل يكشف أن السّيادة الرقمية ليست مسألة تقنية فحسب، وإنما قضية اقتصادية وتجارية وقانونية وجيوسياسية. فالدولة التي تعتمد كليًا على مراكز بيانات ومنصات وبرمجيات وبُنى اتصالات خارجية قد تتمتع بخدمات متقدمة، لكنها تصبح في الوقت نفسه أكثر تعرضًا لمخاطر الانقطاع أو تغير السياسات التجارية والتقنية أو القرارات التي لا تملك السيطرة عليها. ومن هنا لا يكون السؤال: هل نستخدم التقنية الأجنبية أم لا؟ بل: أين تقع نقاط الاعتماد؟ وهل توجد بدائل وطنية أو شراكات متعددة تحول دون تحول الاعتماد إلى ارتهان؟

ولا تقتصر السّيادة الرقمية على البيانات، بل تشمل القدرات الوطنية في التقنيات الأساسية، وفي مقدمتها أشباه الموصلات (Semiconductors) التي تقوم عليها تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ ومراكز البيانات والاتصالات. وقد تجاوزت مبيعاتها العالمية نحو 800 مليار دولار في 2025 وفق ملتقى أسبار (2026)، فيما تشير تقديرات Fortune Business Insights (2022) إلى أن سوق أشباه الموصلات قد يتجاوز 1.3 تريليون دولار في 2029، ما يعزز أهمية الاستثمار في البحث والتطوير وتوطين التقنيات وتنويع سلاسل الإمداد.

ومن منظور تحليلي، يمكن استخلاص إطار للسيادة الرقمية من دراسة Digital Sovereignty for Europe (2020(، يقوم على مجموعة من الممكنات تشمل حوكمة البيانات والبنية الأساسية الرقمية والتقنيات المتقدمة والأمن السيبراني والأطر التشريعية والتنظيمية والكفاءات الرقمية الوطنية والبحث والتطوير والشراكات الموثوقة؛ بما يدعم تحولًا رقميًا آمنًا ومرنًا ويقود إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والتقنية وتقليل الاعتماد التقني الخارجي وتعزيز أمن البيئة الرقمية والقدرة على الابتكار.

وانطلاقًا من هذه الأهمية الاستراتيجية، اتجهت العديد من الدول إلى تبني سياسات لتعزيز قدراتها الرقمية والتقنية، وهو توجه يمكن قراءته كذلك في عدد من السياسات والبرامج الوطنية في سلطنة عُمان ضمن مسار رؤية "عُمان 2040"؛ فالبرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي يضع ضمن أهدافه صناعة وتوطين التقنيات الحديثة وتأهيل البنية الأساسية لتقنية المعلومات والاتصالات وتمكين المهارات والكفاءات الوطنية وتحقيق التحول للحكومة الرقمية ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، بما يدعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.

ويتعزز هذا المسار بالتوجه نحو تنفيذ تقنيات الذّكاء الاصطناعيّ وتوطينها؛ إذ أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطابه أمام مجلس عُمان في 14 نوفمبر 2023 بالقول: "عازمون على جعل الاقتصاد الرقمي أولوية ورافدًا للاقتصاد الوطني، كما وجهنا بضرورة إعداد برنامج وطني لتنفيذ تقنيات الذّكاء الاصطناعيّ وتوطينها، مع الإسراع في إعداد التشريعات التي ستسهم في جعل هذه التقنيات كأحد الممكنات والمحفزات الأساسية لهذه القطاعات". وهنا تتجاوز مسألة التوطين مجرد استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ إلى بناء القدرة الوطنية على فهم التقنية وتطويرها وإدارتها وحوكمتها.

وتذهب خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026- 2030) خطوة إضافية نحو بناء هذه القدرات؛ فهي تمثل القاطرة التنفيذية الثانية لرؤية عُمان 2040. ومن برامجها الاستراتيجية جذب الاستثمارات التقنية النوعية في مجالات أشباه الموصلات ومراكز البيانات والذّكاء الاصطناعيّ والأمن السيبراني والحوسبة الكمية؛ بما يدعم برامج التحول الرقمي ويعزز البنية التقنية المتقدمة القادرة على استيعاب تحديات الأمن السيبراني. كما تتضمن الخطة برنامجًا لتأهيل الكفاءات الرقمية العُمانية في مجالات الذّكاء الاصطناعيّ وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتقنيات الفضاء والتقنيات المالية.

السّيادة الرقمية الناجحة لا تعني أن نصنع كل شيء بأنفسنا، بل أن نعرف ما يجب أن نمتلكه وما ينبغي أن نوطنه وما يمكن أن نبنيه بالشراكة وما لا يجوز أن نعتمد فيه على الخارج دون بدائل آمنة. وفي عالم تتحول فيه البيانات والخوارزميات والبنية الرقمية إلى موارد استراتيجية، تصبح السّيادة الرقمية امتدادًا طبيعيًا للسيادة الوطنية وركيزة لاستقلال القرار ومرونة الاقتصاد والأمن الوطني الرقمي.

** باحث في المعرفة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z