حريتهم تفضح قيودنا

 

 

 

 

د. هبة العطار

انطلاقا من قول الباحثة الأمريكية برينيه براون، «عندما نقيد أنفسنا، تزعجنا حُرية الآخرين»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تتحدث عن الحُرية، لكنها في حقيقتها تكشف شيئا أكثر عمقا عن الإنسان، تكشف تلك المنطقة الخفية التي نضع فيها خوفنا ثم نسميه مبدأ، ونضع فيها عجزنا ثم نسميه قناعة، ونضع فيها تنازلاتنا ثم نسميها نضجا؛ فالإنسان لا ينزعج دائما من حُرية الآخرين لأنهم تجاوزوا حدودا تخصه، وإنما قد ينزعج لأنهم امتلكوا شجاعة لم يمتلكها هو، ولأنهم فعلوا ما ظل هو يُؤجله، اختاروا ما ظل يخشاه، ورفضوا ما ظل يقبله مضطرا، ولذلك يصبح الشخص الحر أحياناً مرآة غير مريحة، لا تكشف عيوبنا، وإنما تكشف المساحات التي تخلينا عنها من أنفسنا.

أحيانًا نميل إلى محاكمة من يفعل ما لم نجرؤ على فعله، فإذا رأينا شخصًا ينسحب من علاقة تستنزفه اتهمناه بالأنانية، وإذا رأيناه يبدأ حياته من جديد وصفناه بالتهور، وإذا قال (لا) في الوقت الذي اعتدنا فيه على قول (نعم) اعتبرناه صعبًا أو مُتعاليًا، وكأننا نحتاج إلى إدانة اختياراته حتى نشعر بالسلام مع اختياراتنا، فليس سهلًا أن ترى إنسانًا يرفض القيد الذي قبلت أنت أن تعيش داخله، لأن وجوده يطرح عليك سؤالًا لا تريد سماعه، إذا كان هو استطاع أن يقول (لا)، فلماذا لم أقلها أنا؟ وإذا كان استطاع أن يختار نفسه، فلماذا ظللت أضع الجميع قبلي؟ وإذا كان استطاع أن يتحمل ثمن حريته، فلماذا قضيت عمري أخشى ثمن حريتي؟ عندها لا يعود الآخر هو المشكلة، وإنما تصبح المشكلة في مواجهة الذات.

وتصل درجة الخطورة للانزعاج النفسي الذى يغلي بداخلنا حين يتحوَّل خوفنا الشخصي إلى سُلطة نمارسها على الآخرين، فنحاول أن نقنعهم بأن الطريق الذي لم نسلكه خطر، وأن الاختيار الذي لم نمتلك شجاعته خطأ، وأن الحياة التي لم نجرؤ على عيشها حياة بلا مسؤولية، نضع القيود حولهم ثم نسميها نُصحًا، نُراقب اختياراتهم ثم نسمي ذلك اهتمامًا، ونحاول إعادة تشكيلهم على صورتنا لأن اختلافهم يهدد التوازن الهَشّ الذي صنعناه لأنفسنا، وفي الحقيقة قد لا يكون الإنسان غاضبًا من الآخر بقدر غضبه من نفسه، لأن حُرية الآخر تقول له بصمت إن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يعيش بطريقة مختلفة، وإن كثيرًا من الأبواب التي ظنها مغلقة كانت تنتظر فقط يدا تملك الجرأة على فتحها.

والنضج الحقيقي لا يبدأ حين نمتلك الحُرية فقط، وإنما حين نتوقف عن الخوف من حُرية الآخرين، حين نفهم أن اختيار إنسان آخر لا يمثل إدانة لاختياراتنا، وأن اختلافه عنَّا لا يعني أننا أخطأنا، وأن الحياة ليست محكمة جماعية يجب أن يحصل فيها الجميع على الحكم ذاته؛ فالحُرية الناضجة ليست أن أطالب الآخرين بأن يعيشوا كما أريد، وإنما أن أمتلك القدرة على احترام حقهم في أن يكونوا مختلفين، وأن أتحمَّل رؤية إنسان يختار ما لم أستطع اختياره دون أن أحاول كسره كي أشعر أنني على حق، وربما يكون أصعب أنواع التحرُّر أن نتصالح مع النسخة التي لم نصبح عليها، وأن نعترف بأن بعض القيود لم يصنعها العالم لنا؛ بل صنعناها نحن، ثم غضبنا من كل شخص ذكَّرَنا بأن كسرها كان مُمكِنًا.

الأكثر قراءة

z