أنطولوجيا الألفة في البيوت القديمة وكينونة وجودها
حمد الناصري
تقفُ بصيرتنا المعرفية لتشخيص أنطولوجيا الألفة، التي تتجلى في سُكون البيوت القديمة وعِمارتها وبُنيتها؛ حيث تكتنز جدرانها وتفاصيلها الصامتة سكوناً حياً وتناغماً حِسياً يفيض بسرّ الجوهر الروحي للأمكنة، وتُثبت أنّ الجماد ليس فراغاً ميتّاً بل هو وعاء يفيض بالطمأنينة والألفة الوجودية وحِسية واقعية تتناغم مع حِسية الجماد وفوق هذا نُبَيّن أيضاً بطريقة سردية توضيحية بأنّ الجمادَ في داخله سكونٌ حيّ.. أي أنه به حِسّ يتناغمُ به مع البشر وحتى مع الكائنات الأخرى، فكم نجد صخوراً تآلفت وكأنها تحتضن بعضها وكم وجدنا عبقرية المكان صنعت إنقاذ للإنسان.. فمثلاً مجرى وادي عميق وفي بطنه صخرةٌ ظاهرٌ يختلفُ الماء على جانبيها لتبقى الماعزُ فوقها وكأنها تُراقب المكان أو ترى مَن يَحميها ويُهَدّي من روعها.
ومن رَحِمِ هذا السكون الوجودي، تستنهضُ بصيرةُ الوعي الإنساني ألفته الفطرية المعزولة ليعود صَوب مَكامن الذكريات القديمة، مستلهماً الواقعية الحسّية الدافئة التي يُؤصّلها تناغم حِس الجماد ــ من طينٍ دافئٍ، وجدران صامتة، وحجارةٍ صَلبة، وأبوابٍ خشبية عتيقة ــ وتُؤكد الشواهد الواقعية أنّ الجدران ليست مادة ميتة أو مُحايدة فيزيائياً، بل هي أوعية وجدانية حية امتصت أنفاس الراحلين، واختزنت شُحنات الفرح والانتظار والمُواساة في مساماتها الصامتة، لتتضامن أخلاقياً وحسياً مع وعي الإنسان المبدع.
وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف الظاهراتي الفرنسي "غاستون باشلار" في أطروحته "جماليات المكان" بتعريب "غالب هلسا"؛ إنّ "البيت القديم والمسكن الأول ليس مجرد حيز هندسي يؤوي الجسد، بل هو بُقعة وجدانية كامنة تمتص شُحنات طفولتنا الدافئة وتصونها، وتظل عتباته وجدرانه تختزن طاقة مُواساة حيّة يتلقاها الوعي البشري طواعية بمجرد اللمس الفعلي أو التذكر الحِسي المباشر". ومن أطروحة "جماليات المكان" لباشلار، نُدرك أنّ البيوت الحديثة تخلو من روح المسكن وعاطفته البدائية؛ وهذه الألفة التي ذكَرها نجدها تكمن في الحِس التناغمي الآدمي مع الجماد، ومنها نُؤصّل لواقعيةٍ حِسية تتناغم عبر الذاكرة الوجودية للبُنية العتيقة، فلا تجد تجريداً أو جفافاً بل رسوخاً يتناغم بألفته مع وعي الساكن.
وعلى ضوء هذا السياق التناغمي، فقد حدثني أبي، رحمهُ الله، أنّ رجلاً عالماً أريباً واسع المعرفة، وأُوتِيَ من العِلم ما لم يُؤتَ أحد غيره، بنى قصراً؛ وبعد أن استوى القصر شامخاً فوق أعلى تلٍّ صَلْدٍ، أراد أن يجد له بصمةً، وبالتعبير العُماني الفصيح "يروزُ نفسه وقدرته العلمية". فجاء بربطةٍ من نباتِ "القَتِّ" الأخضر، وأومأ بها إلى القصر وقال له: ميلي إليّ ميلي، وما أنْ مالت وتهادت إليه حتى بسط يدهُ وقال لها: قِفِي، فوقفتْ؛ ذلك لأنه خَشِيَ أن يفقد ما صنعَهُ من العِمارة. وهذا التناغم الحِسي نُعَرفه بالتناغم الوجداني بين العالِم الصانع وقصره المِعماري المصنوع، وهذه النمذجة الحِسية ليست قدراً صَلداً بل رسُوخاً لتناغم الألفة مع المكان.
وهذه الألفة أو التناغمية مع الجماد، تُؤسس وعياً متصلاً مع الأمكنة المُحيطة بالإنسان، سواءً كانت عِمارةً، أو بيتاً، أو قصراً، أو حصاةً، أو جبلاً، أو بُقعةَ أرضٍ، أو وادياً؛ وكل ما يأتي عبر الجماد يَبْقَى في ذاكرة الإنسان، وتفاصيله الوجدانية لا تموت أبداً.
وفي الموروثات والأساطير نجدُ كثيراً منها وإن لم تُثبت صحتها أو حقيقتها، فهي لا تأتي من فراغٍ غالباً، وكما يقولون في عُمان "لا دخان بلا نار"؛ وهذا الوعي الحِسي يُجسد أطروحةً حاسمة في "حِسّ الجماد" أو الواقعية الحسية للجماد؛ ذلك لأنّ مِقياسَها التفاعلي يخلق تفاعلاً وجدانياً، افتقده الإنسانُ وحيث إنّ تجليات التناغم الحِسي نجدها بين الجماد والإنسان، وبين النبات والإنسان، فإنّ تلكم التجليات تأتي بقدر التفاعل والوعي، أي بقدر حِسية المكان ودفئه، وليس مجرد توافق مُصْمت أو جامد ، ولذلك الدفء قَدْرٌ ومكانة تفيض في الوجدان وتنساب عبر الذاكرة. وقد تتحوّل تلك الطاقة الحِسية لتعزيز شعور الانتماء، وصناعة ذكريات تألفها النفس برابطة مشاعرية تتجدد كلما خلص الإنسان إلى ذات التناغم، ولجأ بحِسه إلى مدفأة الذكريات. ولذلك، تتعزز في داخله استمرارية الأمان، وتتجدد روحانية العِمارة ــ مثلاً ــ أو طابع البحر، وأثر الأودية، وحتى سِحر الطبيعة وخِلقتها الدافئة وتكويناتها؛ التي تُوازن بين السكينة النفسية وبين ذلك الترابط التناغُمي، ليتحوّل كل ذلك في النهاية إلى حِس تناغمي وروحانية ممتدة تُعزز استمرارية تكوين الأمان الحِسي بين الإنسان وسائر الموجودات في شموليتها.
وهنا تبرز الشواهد الواقعية المعيشة؛ فبحر عُمان وتحديداً جزرُ الديمانياتِ بطبيعتها البَكْر يُمثل مسرحاً كونياً حياً لتجلي هذا الحِس التناغمي الوجداني ، حين استجابت حِسّية الأسماك من نوع الجيذر في غُبّة البحر لـتتلاقى مع كينونة الإنسان المُتمثلة في الصبيّ وابن عمه في لحظة وجدانية معيشة؛ وهو ذاتُ الأمان الحسيّ المشهود في اللحظة الاستيقافية للمنحدر الجبلي الحرج، حيث انصاعتْ عضلاتُ حديد السيارة "الكامري" طائعةً لمناجاة الأمومة وحِسّ الطفولة؛ مثلما انقادتْ بغتةً وبكلِّ أريحية ماكينة سَقي المزروعات والنخيل بعد عِنادها، مستجيبةً للحِس الوجداني والدفءِ الكامن في اللحظة المُعاشة دون حاجةٍ لقطع غيار، وكما: عِناد الآلة الرقمية وتصَلّب كينونتِها الصامتة في ذروة الدَّفْق المعرفي.. كل ذلك حقائقَ مُعاشة بشواهدها المتناغمة لتعود بعد صَلفها بحس طائع مُستمتع بتناغمها الحِسي مع الوعي المُستخلف ومع سائر الموجودات في واقعنا المُعاش.
خُلاصة القول: نستكشف في مقالنا "أنطولوجيا الألفة" ــ المُستوحاة من كينونة الوجود الحسي لروح المكان ــ الكامنة في البيوت القديمة وعِمارتها الطينية والحجرية العتيقة، لنكشف أنّ هذا الترابط يكمن في حِس مدفأة الألفة، حيث يلتقي الحِس البشري بديناميكيته المعرفية ــ المُتمثلة في تدفق مشاعره وحركية وعيه ــ مع حِس الجماد بطبيعته الميكانيكية التي تستجيب طوعاً وتتحرك بتناغم مع ذلك النبض الإنساني الخالص كاشفاً عن التناغم الوجداني المباشر بين الصانع والمصنوع. وأطروحتنا في حِس الجماد 12، تُبرهن أنّ الجماد ليس حيزاً فيزيائياً ميتاً، بل هو وعاء وجداني يتفاعل مع وعي الإنسان ويمتص أنفاسه، فهو "مدفأة حِسية " تتمثّل في دفء الألفة المكانية مكونة حِساً يتناغم في اللحظة الاستيقافية حين تستجيب طائعة مع الليونة والمدارة والتعامل الحسي السليم للكائنات وكينونة الموجودات.
*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.
