إدريس بن علي السعيدي
تربط سلطنة عُمان وجمهورية مصر العربية علاقات تاريخية عميقة، قامت على التواصل والتعاون والاحترام المتبادل، وتطورت عبر السنوات لتشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. ولم تكن هذه العلاقة قائمة على المواقف السياسية فقط؛ بل امتدت إلى مجالات العمل والتنمية والاستثمار، وأصبحت اليوم أمام فرصة جديدة لتعزيز المصالح المشتركة وتحويل العلاقات المتينة بين البلدين إلى شراكات اقتصادية وتنموية أكثر اتساعًا.
وقد حافظ البلدان على مواقف متقاربة تجاه عدد من القضايا الإقليمية، وقامت العلاقة بينهما على التشاور والحوار واحترام سيادة الدول. واستمر هذا التنسيق في العديد من الملفات؛ حيث أكدت سلطنة عُمان دعمها للموقف المصري في الكثير من القضايا العربية والدولية، وظلت سلطنة عُمان داعمةً لمصر، ومساندةً لمواقفها، في مشهد يُجسِّد الرؤية العُمانية والحرص على توثيق العلاقات وتنميتها مع مختلف الأشقاء والأصدقاء، كما أكد البلدان أهمية الحوار والدبلوماسية في معالجة الأزمات الإقليمية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي تقوم على التفاهم وتجنب التصعيد.
ومع تطور هذه العلاقة، أصبح الجانب الاقتصادي والاستثماري أحد أبرز المسارات التي يمكن أن تنقل التعاون بين مسقط والقاهرة إلى مرحلة جديدة. فلكل دولة مقوماتها التي يمكن أن تكمل الأخرى؛ حيث تمتلك سلطنة عُمان موقعًا استراتيجيًا على بحر عُمان وبحر العرب، وموانئ ومناطق اقتصادية ولوجستية مهمة، بينما تمتلك مصر موقعًا يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إضافة إلى قاعدة صناعية وسوق واسعة، وقناة السويس التي تمثل أحد أهم طرق التجارة البحرية العالمية. ومن هنا يمكن أن تتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى فرصة اقتصادية مشتركة.
وقد شهد عام 2025 خطوات واضحة نحو تعزيز هذا المسار، حيث ركزت اللجنة العُمانية المصرية المشتركة في دورتها السادسة عشرة على زيادة الاستثمارات المتبادلة وتعزيز التجارة، مع بحث فرص التعاون في قطاعات العقارات والسياحة والطاقة المتجددة والتصنيع والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والصناعات الدوائية. كما شهدت الدورة توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية في مجالات الاستثمار والعمل والتدريب وسلامة الغذاء والثروة المعدنية وتطوير رأس المال البشري.
كما أن هذا التوجه الاقتصادي لا يقتصر على الاتفاقيات الحكومية فحسب، بل يمتد إلى الدور الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية في البلدين، حيث تعمل سفارة سلطنة عُمان في القاهرة وفق نهج الدبلوماسية الاقتصادية، الذي يُعد أحد المرتكزات المهمة في رؤية عُمان 2040، وهي رؤية تستهدف تنويع مصادر الدخل وتعزيز موقع سلطنة عُمان كمركز جاذب للاستثمار. وقد أسهم هذا التوجه في فتح آفاق واعدة للتعريف بالفرص الاستثمارية، وتشجيع التواصل المباشر بين المؤسسات والشركات ورجال الأعمال من الجانبين.
وفي هذا السياق، ساهمت الجهود التي تبذلها السفارة خلال السنوات الماضية في الترويج للفرص الاستثمارية وتشجيع الاستثمارات المشتركة وتوسيع آفاق التعاون، بما ينسجم مع الرؤى التنموية لسلطنة عُمان ضمن رؤية "عُمان 2040"، ومع التوجهات الاقتصادية لجمهورية مصر العربية نحو اقتصاد منتج ومتنوع قائم على الاستثمار والشراكة.
ومن الأمثلة العملية على هذا التعاون، ما شهدته العاصمة المصرية القاهرة في مايو 2025 من توقيع اتفاق استثماري صناعي بقيمة مليون ريال عُماني، أي نحو 2.6 مليون دولار، في مجال صناعة البلاستيك. ويهدف المشروع إلى الاستفادة من المواد الخام المتوفرة في سلطنة عُمان، وتعزيز التكامل الصناعي وتبادل الخبرات، إلى جانب توفير فرص عمل للمواطنين وتقديم منتجات للأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
ويمثل هذا النوع من الاستثمارات نموذجًا لما يمكن أن تحققه الشراكة العُمانية المصرية عندما تنتقل من مرحلة الاتفاقيات إلى المشروعات الفعلية. فالمطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد الاتفاقيات، وإنما تحويلها إلى مصانع ومشروعات وشراكات تنتج قيمة مضافة وتوفر فرصًا للعمل وتدعم المؤسسات الوطنية في البلدين.
ولا تقف فرص التعاون عند الصناعة وحدها، فهناك مجالات أوسع يمكن أن تحقق قيمة أكبر خلال السنوات القادمة، خاصة في الصناعات التحويلية والتعدين والطاقة والغذاء والدواء والإنشاءات. وقد أكدت المناقشات بين الجانبين أهمية الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى آفاق تقوم على التصنيع والتصدير المشترك، بما يعزز القيمة المضافة، ويشجع إقامة مشروعات صناعية مشتركة، ويسهم في نقل الخبرات والتقنيات الحديثة.
ويبرز القطاع اللوجستي كأحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من الموقع الجغرافي للبلدين. فسلطنة عُمان تقع على طرق بحرية رئيسية تربط الأسواق الآسيوية والإقليمية، وتمتلك موانئ ومناطق اقتصادية ولوجستية مهمة، بينما تمتلك مصر موقعًا يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط من خلال قناة السويس. وهذا التقارب يمكن أن يجعل البلدين شريكين في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وليس مجرد دولتين تتبادلان السلع. وقد بحث الجانبان بالفعل تعزيز التكامل في المجال اللوجستي وتطوير الممرات البحرية بين البلدين.
وإذا كان الموقع يمثل ميزة طبيعية للبلدين، فإن تطوير هذه الميزة يحتاج إلى استثمارات ومشروعات تحولها إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فالموانئ العُمانية يمكن أن تكون بوابة للمنتجات المصرية نحو أسواق آسيا والمحيط الهندي، وفي المقابل يمكن للموانئ المصرية وقناة السويس أن توفر مسارًا مهمًا للمنتجات العُمانية نحو أسواق البحر المتوسط وشمال أفريقيا وأوروبا. ومن هنا يصبح التعاون اللوجستي جزءًا من مشروع اقتصادي أوسع يقوم على ربط الأسواق وتسهيل التجارة وتطوير الخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين.
كما تمثل السياحة مجالًا مهمًا للتعاون بين البلدين، فسلطنة عُمان تمتلك طبيعة متنوعة ومواقع تاريخية وثقافية وسواحل ممتدة، بينما تمتلك مصر إرثًا حضاريًا ومقومات سياحية متنوعة. ويمكن زيادة التعاون في هذا المجال من خلال الاستثمار في المنشآت السياحية والخدمات والضيافة والتسويق المشترك وتبادل الخبرات، إلى جانب تشجيع حركة الزوار بين البلدين.
ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على الفنادق وشركات السياحة، بل تمتد إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمطاعم والنقل والحرف والخدمات المختلفة التي تستفيد من نمو النشاط السياحي. ولذلك فإن تطوير السياحة بين البلدين يمكن أن يتحول إلى مجال واسع لخلق فرص جديدة أمام القطاع الخاص والشباب.
وتتوسع فرص التعاون كذلك في الطاقة والتعدين والأمن الغذائي والتكنولوجيا، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد في البلدين. وقد شملت مجالات التعاون التي ناقشتها اللجنة العُمانية المصرية المشتركة الطاقة المتجددة، والتصنيع، والأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب الاهتمام بالمشروعات الناشئة والرقمنة والابتكار. وهي مجالات يمكن أن توفر فرصًا لنقل المعرفة وتطوير المهارات ورفع الإنتاجية.
وتعكس الأرقام حجم الفرصة المتاحة أمام البلدين؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان ومصر خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 97.6 مليون ريال عُماني، منها 44.3 مليون ريال عُماني واردات عُمانية من مصر، و53.3 مليون ريال عُماني صادرات عُمانية إلى السوق المصري. كما بلغ عدد الشركات المسجلة التي بها مساهمة مصرية في سلطنة عُمان 4647 شركة حتى نوفمبر 2025، وهو رقم يعكس حضور الاستثمارات المصرية في الاقتصاد العُماني ويفتح المجال أمام مزيد من الشراكات خلال المرحلة المقبلة، ومساهمات ترتفع من حيث القيمة المالية لتصل إلى مئات الملايين، ومن الناحية الاقتصادية والاستدامة التنموية وتعزيز العلاقات الثقافية والتجارية.
ومن المهم أن لا يكون الهدف من زيادة هذه الأرقام مجرد رفع حجم التجارة، وإنما تحقيق قيمة مضافة داخل اقتصاد البلدين. فكل مشروع ناجح يمكن أن يعني وظيفة جديدة، وتدريبًا لشاب، ونقلًا للخبرة، وفرصة لمؤسسة صغيرة أو متوسطة للدخول في سلسلة التوريد. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي هو الذي ينتقل أثره من الشركات إلى المجتمع، ومن رأس المال إلى الإنسان.
وتأتي هذه الشراكة في وقت تسعى فيه سلطنة عُمان إلى تنويع اقتصادها وجذب الاستثمارات الأجنبية ضمن مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، مع التركيز على قطاعات الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات التي يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. وفي المقابل، تمثل مصر سوقًا كبيرة وقاعدة صناعية وموقعًا جغرافيًا مهمًا، الأمر الذي يجعل التكامل بين البلدين فرصة يمكن أن يستفيد منها القطاع الخاص في الجانبين.
وفي ديسمبر 2025، أكد منتدى الأعمال العُماني المصري أهمية تعزيز الشراكات بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين، وتوسيع التعاون في قطاعات الإنشاءات والطاقة والنفط والاستشارات الهندسية والعقارات والصناعة، مع التركيز على نقل الخبرات وزيادة حجم التجارة والاستثمار. كما طُرحت فكرة إنشاء منصة استثمارية مشتركة تكون نافذة لعرض الفرص الاستثمارية المتاحة في البلدين وتسهيل التواصل بين المستثمرين.
ومن مسقط إلى القاهرة، لا ينبغي أن يكون الطريق مجرد امتداد لعلاقة تاريخية راسخة، بل طريق جديد للاستثمار والتجارة وتبادل الخبرات والتنمية. فكلما تحولت العلاقات بين البلدين إلى مشروعات حقيقية، أصبح أثرها أكثر وضوحًا على المواطن، من خلال فرص العمل وتنمية المهارات ودعم المؤسسات الوطنية وفتح أسواق جديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه العلاقة؛ حيث تتحول قوة التاريخ إلى قوة في الاقتصاد، ويتحول التعاون إلى تنمية يستفيد منها أبناء البلدين، وستبقى العلاقات العُمانية المصرية قائمة على تعزيز البرامج الاقتصادية وتحقيق التنمية لدى البلدين الشقيقين.
