د. خميس بن حمدان الغافري **
ينتظر الناس في كل محافظة وولاية احتياجات كثيرة؛ طرق، ومستشفيات، ومدارس، ومشروعات مياه، ومرافق وخدمات مختلفة، وغالبًا ما تكون قائمة الاحتياجات أطول بكثير من قدرة موازنة أي دولة على تنفيذها في وقت واحد؛ لهذا فإنَّ تحديد: ما الذي ينبغي أن يبدأ أولًا؟ يُعدّ أحد أصعب القرارات في التخطيط التنموي.
وتتبنى الحكومة منهجية للمفاضلة بين المشروعات الإنمائية من خلال مصفوفة لتقييم واختيار الأولويات؛ إذ طوَّرت وزارة الاقتصاد بالتعاون مع وزارة المالية نموذجًا لهذا الغرض يتناسب مع متطلبات الخطط التنموية ورؤية "عُمان 2040"، كما استمرت الوزارة في مراجعة المصفوفة، وتحديث معاييرها.
وهذا -بلا شك- توجُّه مهم؛ لأن ترتيب المشاريع لا ينبغي أن يكون خاضعًا لقوة المطالبة بها فحسب، أو لقدرة جهة معينة على الدفاع عنها، وإنما لمعايير تساعد متَّخِذ القرار على تحديد أين يمكن أن تحقق الموارد المتاحة أفضل نتيجة، إلا أن تطبيق المصفوفة يفتح بابًا مهمًّا للنقاش حول مفهوم الأولوية نفسها.
هل المشروع الذي يخدم عددًا أكبر من السكان يجب أن يتقدم دائمًا على مشروع يخدم عددًا أقل؟ وماذا عن مشروع محدود التكلفة لكنه يفتح فرصًا اقتصادية كبيرة؟ أو مشروع مرتفع التكلفة لكنه يُعالج خطرًا قائمًا على حياة الناس؟
هنا تصبح المفاضلة أكثر تعقيدًا؛ فعدد المستفيدين معيار مهم، لكنه لا يمكن أن يكون وحده كافيًا، وكذلك التكلفة، والجاهزية، والعائد الاقتصادي، والأثر الاجتماعي، ومن ثَمَّ تأتي قيمة المصفوفة من قدرتها على جمع هذه الجوانب وموازنتها، بحيث لا تطغى زاوية واحدة على بقية الصورة.
وقد يكون من المهم في هذا السياق إعطاء مساحة أكبر لمفهوم تكلفة التأخير؛ فعادة ما نسأل عند دراسة المشروع: ماذا سيحقق إذا نُفِّذ؟ ويبقى هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
ماذا سيحدث إذا لم ننفِّذه الآن؟ فمشروع يعالج طريقًا ترتفع فيه مخاطر الحوادث يختلف عن مشروع يمكن تأجيله عدة سنوات دون آثار كبيرة، والتوسع في منشأة صحية تعاني ضغطًا متزايدًا يختلف عن إنشاء مرفق تتوافر له بدائل قريبة، وهناك مشروعات قد ترتفع تكلفتها بصورة كبيرة إذا استمر تأجيلها.
لذلك فإنَّ أثر عدم التنفيذ ينبغي أن يكون جزءًا واضحًا من حساب الأولوية، إلى جانب أثر التنفيذ نفسه.
وهناك كذلك مسألة التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة التنموية. وإذا كانت أعداد السكان هي المعيار الغالب؛ فمن الطبيعي أن تحصل التجمعات السكانية الأكبر على نصيب أكبر من المشروعات، وهذا مفهوم من ناحية كفاءة الإنفاق، لكنه إذا أصبح القاعدة الوحيدة فقد يؤدي- مع مرور الوقت- إلى اتساع الفجوة بين المناطق الأكثر نموًّا والمناطق الأقل حصولًا على الخدمات والفرص.
التنمية المتوازنة تقتضي أحيانًا النظر إلى حاجة المنطقة، وليس إلى عدد سكانها فقط، والنظر كذلك إلى ما يمكن أن يفتحه المشروع من فرص مستقبلية، فبعض المشروعات قد يبدو أثرها محدودًا عندما ننظر إليها داخل حدود ولاية أو محافظة واحدة، لكنها تكتسب قيمة مختلفة عندما ننظر إليها ضمن شبكة أوسع.
طريق مثلًا قد لا تكون أهميته في عدد السكان المقيمين على جانبيه فقط، وإنما في قدرته على الربط بين محافظتين، أو تقليل زمن النقل، أو فتح مسار سياحي، أو خدمة أنشطة زراعية وتجارية، أو تسهيل الوصول إلى منطقة اقتصادية، وهنا يظهر الفرق بين تقييم المشروع منفردًا، وتقييم دوره في منظومة التنمية ككل.
وهناك مسألة أخرى تستحق الانتباه، وهي جاهزية المشروع للتنفيذ.
ومن الطبيعي أن تكون الجاهزية عاملًا في ترتيب الأولويات؛ فالمشروع الذي اكتملت دراساته وأراضيه وتصاميمه أسهل في التنفيذ من مشروع لا يزال في بدايته، لكن ينبغي ألا يؤدي ذلك إلى أن تتقدم المشروعات الجاهزة دائمًا على المشروعات الأكثر حاجة أو أثرًا لمجرد أنها أسهل في البدء؛ فالجاهزية عامل مساعد، وليست الغاية.
ومن الجيد النظر إلى توجه الإدارة المالية الحكومية في سلطنة عُمان أيضًا نحو ربط تخصيص الموارد بالبرامج والنتائج؛ فقد أوضحت وزارة المالية أن تطبيق ميزانية البرامج والأداء يستهدف رفع كفاءة الإنفاق العام، وربط الميزانيات بأهداف ونتائج البرامج والأنشطة، إلى جانب قياس الأداء ودعم اتخاذ القرار، وهذا يقود إلى نقطة أراها مهمة: المصفوفة لا ينبغي أن تتوقف وظيفتها عند اختيار المشروع قبل التنفيذ، فبعد سنوات من اكتمال المشروع من المفيد العودة إلى الافتراضات التي منحته الأولوية في البداية: هل تحقق الأثر المتوقع فعلًا؟ هل كان عدد المستفيدين كما قدَّرناه؟ هل أحدث المشروع النشاط الاقتصادي أو الاجتماعي الذي توقعناه؟ وهل كانت قيمته المتحققة متناسبة مع ما أنفق عليه؟
إذا أجبنا عن هذه الأسئلة بانتظام، فإن نتائج المشاريع السابقة يمكن أن تساعدنا على تحسين طريقة اختيار المشاريع الجديدة، وبهذا تتحول المصفوفة من أداة لترتيب قائمة مشروعات إلى أداة تتعلم من التجربة وتحسن القرار بمرور الوقت، وهذا يتسق أيضًا مع توجه رؤية "عُمان 2040" نحو حوكمة الموارد والمشاريع، ورفع جودة الأداء الحكومي وتعزيز التخطيط والمتابعة والتقويم.
ويبقى جانب آخر مهم يتعلق بالمجتمع، فليس مطلوبًا أن يعرف المواطن التفاصيل الفنية لكل عملية تقييم، لكن زيادة الوضوح حول المعايير العامة التي تحدد بها أولوية المشروعات يمكن أن تساعد على بناء فهم أفضل للقرارات التنموية؛ فقد لا يقتنع الجميع بترتيب مشروع معين -وهذا طبيعي- لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يعرف المواطن لماذا تقدَّم مشروع وتأخر آخر، وبين أن تبقى عملية المفاضلة بعيدة عن فهمه.
في النهاية، لن نستطيع تنفيذ كل المشاريع في الوقت نفسه، وستظل عملية ترتيب الأولويات واحدة من أصعب مسؤوليات التخطيط والإنفاق العام؛ لذلك فإنَّ قوة مصفوفة الأولويات تكمن في قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الحاجة والأثر، والكفاءة والعدالة، والحاضر والمستقبل، وكلما كانت هذه الموازنة أدق، استطعنا أن نضع الموارد في المكان الذي تصنع فيه الفرق الأكبر؛ فالتحدي الحقيقي ليس أن نختار مشروعًا جيدًا من بين مشروعات سيئة؛ ففي الغالب تكون المشروعات المتنافسة كلها مهمة، التحدي هو أن نعرف أيها يستحق أن يبدأ أولًا.
** عضو مجلس الشورى
