ليلة في كربلاء

 

 

 

 

عزيزة راشد

 

 

في ليل كربلاء المُكتنز بالتراتيل والأدعية والدموع، يأتي الليل على غير عادته، ويعود الحصان وحيدًا دون الحُسين.

ثمّة طفل يبكي في آخر الزقاق لأنَّ الماء الذي جلبه للزائرين لم يشرب منه أحد، كانت أمه تمتلك خاتَمًا من الفِضّة ورثته عن أمها، كان أثمن ما يورث وأعمق من مجرد ذكرى، لكنها اتخذت قرارها تلك الليلة، وما أن أشرقت شمس كربلاء الحزينة حتى ذهبت لتبيعه وتشتري بثمنه الماء لتوزعه على الزائرين الذين أتوا من كل دول العالم مشيًا وحفاة للسلام والترحم على سيدنا الإمام الحسين.

في طرقات كربلاء وجدتُ المحبة ودموع غزيرة لقلوب حائرة تائهة ترتجي الفرج والسلام الداخلي لما عانته من ظروف حياتيه، يأتون إلى قبر الإمام الحسين ليأخذوا منه عزيمة الصبر وقوة التحمل، يرونه ذلك النور الذي يسطع في آخر النفق والمنارة الصامدة في البحر الهائج.

زيارة قبر ومقام الإمام الحسين، درسٌ في العبرة لمن يتخذ الغرور تاجًا على رأسه وهو يعلم أن رأيه فند وأيامه عدد وجمعه بدد. ودرس في الشجاعة لمن يعتد بالله سبحانه وتعالى ويقف في وجه الظالمين، ويقول الحق ولو علم أنَّ في ذلك هلاكه.

ودرس آخر في الصبر وتحمل الصعاب عبر طرق الصحراء القاحلة التي مشى عليها سيدنا الإمام الحسين ونساء بيته السيدات الشريفات النبيلات، وقد كانت الرياح تعوي كالذئاب على أبواب الخيام ذات ظهيرة حارة ومتربة، ونسيم ساخن يحرق الأجساد المنهكة عبر مسير دام سنة، كما ذكر بعض الرواة، هذا الصبر الذي يخذل أعلى الجباه وأعظم الملوك وأعتى الفرسان، لم يثني سيدنا الإمام الحسين عن مسعاه للإصلاح.

الأجيال التي تعتز بمارتن لوثر في الإصلاح الاجتماعي، عليهم أن يدركوا أن سيرة الإمام الحسين هي ما يجب أن يكون منهاج حياته، ومن يرى أن ميركل وبناظير بوتو ومارجريت تاتشر من النسوة القويات؛ فإنَّ شجاعة السيدة زينب لا توازيها شجاعة في التاريخ على الإطلاق. تلك المرأة الشجاعة التي كابدت عناء الطريق من مكة إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى دمشق، ثم إلى المدينة المنورة ومنها إلى مصر، ووقفت أمام ملكٍ لتُلقي خطبة تُدرَّس منهجًا للكرامة في كتب الحق والقوة والعزيمة.

سلامٌ إلى يوم يبعثون على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن نلتقي معهم في الجنة.

الأكثر قراءة

z