قبعات ملوَّنة في الجامع الأكبر

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

 

في صلاة الجمعة، وبينما كنت أجلس في مصلى النساء بالجامع الأكبر، أخذت عيناي تتأملان المشهد المنقول عبر شاشة التلفاز من مصلى الرجال.

لم يكن المشهد عابرًا بالنسبة لي؛ فقد توقفت طويلًا عند تلك القبّعات الملونة التي ازدانت بها رؤوس المصلين، وكأنَّها لوحة إنسانية واسعة رسمتها لحظة واحدة من لحظات العبادة. رأيت المَصَر العُماني بتفاصيله التي تحمل هيبة المكان وذاكرة الإنسان، ذلك الذي ظل عبر الزمن من علامات الهوية العُمانية، ورأيت العقال الخليجي، وعمائم الرأس القادمة من اليمن وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي، وقبعات أخرى تحمل هوية الهند وباكستان وبنغلاديش وشرق آسيا وتركيا وأفريقيا وغيرها.

كانت كل قبعة تحكي قصة وطن، وكل لون يحمل رحلة إنسان جاء من مكان بعيد ليستقر في هذا الوطن أو يعمل فيه أو يعيش بين أهله.

تأملت ذلك المشهد، فبدا لي الجامع الأكبر في تلك اللحظة صورة مصغرة من عُمان؛ وطن تتجاور فيه الثقافات كما تتجاور الصفوف في الصلاة.

الجميع يقفون في اتجاه واحد، تتحد قلوبهم في الدعاء، وتذوب الفروق أمام جلال المكان وهيبة اللحظة.

لم يكن اللون المختلف في القبعات سببًا للتباعد، بل كان جمالًا يضيف إلى المشهد ثراءً وتنوعًا كما يضيف اختلاف ألوان الطبيعة إلى الوجود بهاءً ورونقاً وتميًزا.

لقد منح الإسلام الإنسان مساحة واسعة ليرى الاختلاف بوصفه آية من آيات الله في الكون.

يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).

إن الاختلاف في اللون واللغة والثقافة جزء من جمال الخلق، ودليل على قدرة الخالق في صنع هذا التنوع الإنساني.

وحين ارتفع الأذان، ثم بدأ صوت القرآن ينساب في أرجاء الجامع، أضافت التلاوة بخشوعها وهدوئها إلى المكان جلالًا آخر، وكأنَّ كلام الله قد جمع تلك الألوان المتعددة في معنى واحد. أصبح الصوت والصفوف مشهدًا واحدًا؛ مشهدًا تتجاور فيه الروح والهوية والإنسان.

هناك، أدركت أن الجامع الأكبر لم يكن يحتضن المصلين فحسب، بل كان يحتضن صورة عُمان التي عرفها العالم؛ عُمان التي جعلت من التعايش قيمة راسخة، ومن التسامح سلوكًا يوميًا، ومن احترام الإنسان أساسًا للعلاقة بين أبنائها والمقيمين على أرضها.

لقد جاء القرآن الكريم ليؤكد جمال الاختلاف في آية تدعو إلى التأمل: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)؛ فالتعارف هو المعنى الأعمق لوجود هذا التنوع، وهو الطريق الذي يجعل الشعوب تلتقي وتتعاون على البر والتقوى.

وفي عُمان نرى هذا المعنى حاضرًا في تفاصيل الحياة؛ في الطرقات وأماكن العمل، وفي الأسواق، ودور العبادة.. هو تعايش تشكل عبر الزمن، وصار جزءًا من صورة الوطن وذاكرته؛ فالعُماني الذي يعتز بهويته لا يرى في الآخر منافسًا له، بل يراه شريكًا في بناء المكان وصناعة الحياة.

إن تلك القبّعات الملونة في الجامع الأكبر كانت بالنسبة لي لحظة تأمل عميقة رأيت فيها عُمان تفتح أبوابها للإنسان قبل أن تسأله عن لونه أو موطنه، ورأيت كيف يمكن للأوطان أن تصبح جسورًا بين الثقافات حين تقوم على قيم الرحمة والاحترام.

لقد كانت قبّعات ملوّنة فوق الرؤوس، لكنها في معناها كانت ألوانًا من المحبة، وأطيافًا من الإنسانية، وصورة مشرقة لوطن اختار أن يجعل من الاختلاف جمالًا، ومن التعايش طريقًا نحو السلام.

** شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z