كلية مزون.. تجربة لا يمحوها قرار

 

 

 

د. سلطان بن محمد القاسمي

منذ صدور القرار الأخير بشأن كلية مزون، أُتابع ما يُكتب ويُقال عنها في وسائل التواصل الاجتماعي. وبعض الآراء كانت هادئة وجميلة، لكن بعضها الآخر كان قاسيًا إلى درجة أوحت وكأنَّ الكلية لم تُقدِّم شيئًا طوال سنواتها، وكأنَّ كل من درس فيها لم يخرج بأي فائدة تُذكر!!

لا أكتب هنا لأناقش قرار جهة مختصة، ولا لأعترض عليه؛ فلكل جهة مسؤولياتها ومعاييرها التي تستند إليها في التقييم والاعتماد، وهي الأقدر على ذلك. لكن في المقابل، أؤمن أن من حق كل إنسان أن يروي تجربته كما عاشها، لا كما يصفها الآخرون.

قبل سنوات، التحقت بكلية مزون في البرنامج التسأسيس (الفاونديشن)، وكانت تلك المرحلة من أكثر المراحل التي بذلتُ فيها جهدًا على المستوى الشخصي. كنتُ أُنهي عملي في مقر وظيفتي، ثم أتوجه مباشرة إلى الكلية، لأقضي بقية يومي في المحاضرات حتى ساعات المساء، ويتكرر هذا المشهد يومًا بعد يوم. لم يكن هدفي مجرد الحصول على شهادة، بل كنتُ أبحثُ عن المعرفة، وأؤمن أن الاستثمار الحقيقي هو ما يبنيه الإنسان في نفسه.

ورغم مشقة الجمع بين العمل والدراسة، لم أشعرُ يومًا أنني أبذلُ هذا الجهد في غير مكانه. وجدتُ أساتذة كانوا حريصين على إيصال المعلومة، وإدارة تعاملتْ معنا باحترام، وبيئة تعليمية تشعر فيها أن الطالب ليس مجرد اسم في كشف الحضور، بل إنسان له قيمة، وهناك من يهتم بتقدمه ويحرص على أن يستفيد فعلًا.

وبعد تلك المرحلة، واصلت دراستي في مؤسسات تعليمية أخرى، واطّلعت على تجارب مختلفة؛ سواء من خلال تجربتي الشخصية أو من خلال حديث زملاء وأصدقاء درسوا في جامعات وكليات متعددة. ومع ذلك، ما زلتُ أرى أن تجربتي في كلية مزون كانت من التجارب الجيدة جدًا؛ بل إنها في بعض الجوانب كانت أفضل من تجارب عشتها أو سمعت عنها في مؤسسات تعليمية أخرى داخل سلطنة عمان.

ولهذا، فما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن مؤسسة، وإنما وفاء لتجربة عشتها، وإنصاف لمرحلة كان لها أثر حقيقي في حياتي.

ما أستغربه اليوم هو أن بعض الناس يربطون بين أي قرار تنظيمي وبين القيمة الحقيقية للمؤسسة أو لخريجيها؛ فبمجرد سماع عبارة "إلغاء الاعتماد"، يبدأ البعض في التقليل من الكلية، والتشكيك في خريجيها، وكأن سنوات الدراسة والاجتهاد والمعرفة يمكن أن تُمحى بقرار واحد. بينما الحقيقة أن القرار، كما أوضحته الجهات المختصة، لا يعني إغلاق الكلية، ولا توقف الدراسة، ولا ضياع حقوق الطلبة الحاليين. كما أن وجود ملاحظات تحتاج إلى المعالجة لا يعني أن كل ما قدمته المؤسسة كان بلا قيمة، تمامًا كما أن نجاح أي مؤسسة لا يعني أنها معصومة من الأخطاء.

كل مؤسسة تعليمية قد تمر بمراحل قوة، ثم تواجه تحديات، ثم تعيد تقييم نفسها وتعمل على تصحيح مسارها. وهذه سنة طبيعية في مختلف المؤسسات، داخل السلطنة وخارجها. والعبرة ليست في وجود الملاحظات، وإنما في كيفية التعامل معها، والاستفادة منها، وتحويلها إلى فرصة للتطوير والتحسين.

والإنصاف يقتضي ألا ننسى أعدادً كبيرة من الطلبة تخرجوا في هذه الكلية، وأصبحوا اليوم موظفين، يُؤدُّون أعمالهم بكفاءة في مختلف المؤسسات؛ فنجاح هؤلاء جزء من قصة الكلية أيضًا، ولا يجوز أن يُتجاهل عند الحديث عنها.

وأتمنى أن تكون هذه المرحلة بداية جديدة لكلية مزون، تُراجع فيها ما يحتاج إلى مراجعة، وتُعالِج ما يستحق المعالجة، وتعود بصورة أقوى مما كانت عليه؛ فالمؤسسات لا تُقاس فقط بما تواجهه من تحديات، وإنما بقدرتها على تجاوزها.

وأتمنى أيضًا أن نكون أكثر هدوءًا في أحكامنا؛ فالكلمات التي نكتبها قد تصل إلى طالب يدرس اليوم في الكلية، أو إلى خريج اجتهد سنوات حتى حصل على شهادته، أو إلى ولي أمر يشعر بالقلق على مستقبل ابنه. ومن حق هؤلاء علينا أن نكون منصفين، وأن نفرق بين نقد المؤسسة، وبين التقليل من قيمة من درس فيها.

أما أنا، فعندما أتذكرُ كلية مزون، فإن أول ما يخطر في ذهني ليس القرار الأخير، وإنما تلك الأيام التي كنت أغادر فيها عملي متوجهًا إلى قاعات الدراسة، باحثًا عن المعرفة، وأتذكر أساتذة تعلمت منهم، وأصدقاء ما زالت علاقتي بهم مستمرة حتى اليوم، وإدارة أحسنت التعامل معنا، وتجربة أضافت لي الكثير على المستويين العلمي والإنساني.

لهذا، لن أسمح لقرار واحد، مهما كانت أهميته، أن يمحو تجربة عشتها، أو أن يجعلني أُنكر ما وجدته فيها من علم واحترام وأثر طيب.

هذا هو الإنصاف الذي أُؤمن به: أن نحترم القرارات الصادرة عن الجهات المختصة، وأن نحترم أيضا الحقيقة التي عاشها كل واحد منا، لأن التجارب الصادقة لا يمحوها قرار.

 

الأكثر قراءة

z