اقتصاد المواسم الثلاثة في ظفار

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

عنوان المقال أعلاه نعتبره استجابة زمكانية تستوجب أن تُطرح الآن، وتنشغل به دائرة التفكير الاستراتيجي لمحور التنويع الاقتصادي في الخارطة الاستراتيجية لمحافظة ظفار، وذلك حتى تكون لدينا الرؤية واضحة لتساؤل: ماذا بعد موسم الخريف السياحي 2026؟

وينبغي أن تجمع طاولة التفكير الاستراتيجي لمؤسسة محافظ ظفار كل أطراف العلاقة بالقطاع السياحي والاقتصادي في ظفار، ويكون فوق هذه الطاولة، موضوع واحد وهو: كيف تتحول المواسم السياحية الثلاثة في ظفار (الخريف والشتاء والربيع/ الصرب) من مواسم سياحية مُنعزلة، ومتواضعة ما عدا الخريف إلى منظومة اقتصادية تعمل على مدار العام؟!

الفترة الزمنية لهذه المواسم كالآتي: مهرجان خريف ظفار من 15 يوليو إلى نهاية سبتمبر، ومهرجان الربع الخالي في الشتاء في منطقة شصر بولاية ثمريت، ومهرجان الربيع (الصرب محليًا)، فكيف نجعلها تقود إقامة اقتصاد محلي موسمي يعمل على مدار العام؟

هذه المواسم قادرة على تشغيل الاقتصاد المحلي، بشرط تغيير طبيعة الفكر الذي يؤطِّر للمواسم الثلاثة، فبدل أن يكون الخريف هو الموسم الأساسي، والشتاء والربيع فترات مكملة، نحولها إلى منظومة سياحية، لكل موسم منتجه وزبونه واستثماراته وفرصه الاقتصادية، وبذلك نمكن أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الاستدامة الربحية، والباحثين عن عمل من فرص عمل على مدار العام.

وهذا التحول لن يبدأ من الصفر، وإنما من مقومات قائمة بذاتها بعد النقلة الكبيرة في تحديث وتوسيع البنية التحتية لظفار، وهذا التحديث وما يُخطَّط له، لا ينبغي حصره في موسم سياحي مهما كان حجمه وأهميته كخريف ظفار، وإنما جعل ظفار بكل ولاياتها حركة نشاط اقتصادية طوال السنة تحرك اقتصاد ظفار، ويستطع الشباب أن ينبني مستقبله عليها عوضًا عن الموسمية؟

تابعنا نجاح بعض نسخ مهرجان الشتاء في منطقة شصر من حيث إقبال الشباب على استغلال فرص العمل فيها، ومن حيث الإقبال السياحي عليها رغم ترابية الطريق، فكيف الآن بعد سفلتته؟ وقد كتبنا عنه مقالًا في حينها، وهذا المهرجان لا يزال بين التوقف والتواضع في إقامته، لم يحظَ بالاهتمام الذي يرتقي إلى مستوى تفكير ظفار الاستراتيجي بعد اعتماد الخارطة الاستراتيجية لها، والمُكوَّنة من 6 محاور أساسية؛ مما يُحتِّم الآن التخطيط لهذه المواسم من الآن كمنظومة اقتصادية ذات نفع متعدد ومن منظور الاستدامة، وهذا سيكون كفيلًا بإعادة تشكيل نظرة الشباب للمستقبل واحتواء طموحاتهم عوضًا عن الانتظار طويلًا لموسم الخريف، كم سترسخ هذه المنظومة الثلاثية مسار الانتقال من الاعتماد على الوظائف الحكومية إلى اقتصاد محلي يقوده المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، كما ستنعكس إيجابًا على زيادة الإيرادات المحلية. وإذا ما تم تطوير المواسم السياحية الثلاثة، مع تعزيزها كذلك بمواسم أخرى كموسم اللبان والكركم ومهرجان المُحالبة والمُزاينة بولاية المزيونة، فإنَّ هذا أكبر المؤشرات على تحويل الموسمية إلى اقتصاد مستدام، وعلى امتداد منظومة النفع على كامل التراب الظفاري.

وعامل السرعة- أي الزمن- هنا هو الحدث؛ فطبيعة المرحلة الانتقالية لا تتحمل أي تأخير أو لا يصلح فيها العمل الأحادي المتدرج، وإنما العمل بإيقاع السرعة والشمولية المتكاملة المدروسة والمتناغمة مع التحديات المنظورة وغير المنظورة، فبلادنا تعيش في زمن السرعة، بينما لا تتحرك التطورات بالإيقاع نفسه، ومن ثم ينبغي التسليم بديهيًا بوجود توتر كبير بين توقعات ورغبات الشباب وقدرة هذا الواقع البطيء على الاستجابة لها، ولنا فيما نطرحه هنا من رؤية لهذه الاستجابة الموضوعية والواقعية؛ أي ليست قفزًا فوق الواقع والممكن، وإنما استجابة للزمكانية في أبهى صورها وأنجع تطبيقاتها.

ونطرح هذا الملف عاجلًا فوق طاولة الفكر الاستراتيجي لمحافظة ظفار، وقد كنت قريبًا منه مؤخرًا بعد تشرفت برئاسة محور المجتمع والثقافة في الاستراتيجية الشاملة لظفار، ويحضر بعض نقاشاتها صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار، وسعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني رئيس بلدية ظفار، وهذا الملف معنيٌ به محور التنويع الاقتصادي، ونطالب فكره الاستراتيجي إلى الانعقاد، وتناول هذا الملف من الزوايا والرؤى سالفة الذكر؛ فظفار تمتلك عناصر نادرة على مستوى الخليج، كمناخ استثنائي "الخريف" وموقع بحري استراتيجي على المحيط الهندي، وعمق تاريخي وثقافي، وثروة زراعية وسمكية، وتنوع بيئي وجبلي وصحراوي، واستقرار اجتماعي ومضياف، وبالتالي، فإن أي إعمال للفكر ينبغي أن يقود الجهود الحالية إلى الانتقال من الاقتصاد الموسمي المؤقت إلى الاقتصاد المستدام متعدد المواسم، وأن يعمل عاجلًا لكل موسم متطلباته المُستحَقة، خاصة موسمي الشتاء والصرب.

 

الأكثر قراءة

z