سالم بن نجيم البادي
هزَّ مشاعري هذا الرحيل المتوالي للذين أعرفهم، فلا يكاد يمر أسبوع إلا ونشيِّع جنازة، ونحضر عزاء، ونواسي ذوي الراحلين. الرحيل الأبدي… الموت.
كانوا أحياءً بيننا، وكانت لهم آمال وأمنيات، وأهل وأطفال ووطن، وأحلام وخطط، وواجبات وحقوق، وأعمال لم ينجزوها بعد، ثم رحلوا، تاركين للأحبة الأحياء الفراق المر، والوجع المقيم، والحزن العميق، وشعورًا بثقل حمل المسؤولية، وفقدان المعيل والراعي والسند، وألقابًا فرضها الموت، وصارت عبئًا ثقيلًا على اليتامى والأرامل، وحتى الكبار الذين فقدوا ذويهم.
هذا الفقد يحدث كسرًا في خواطرهم، وجروحًا غائرة في أرواحهم لا تبرأ مع مرور الزمن، وتبقى الذكريات مشتعلة، ذكريات تشعل الشجن والحنين والشوق والدموع المكتومة في جوف الليل والخلوات. وأقسى أنواع الرحيل، الرحيل المفاجئ الذي يأتي بغتة وبلا مقدمات.
وهناك حالات رحيل كثيرة غير الموت، رحيل من وطن عجز عن توفير الكرامة ولقمة العيش إلى رحاب أوسع، تنتعش فيها الآمال والفرص والأحلام، وتكون أكثر قربًا للفوز بها.
وصور الراحلين من أفريقيا وبعض دول الشرق الأوسط إلى حلم أوروبا وأمريكا ماثلة في أذهاننا، راحلين شرعيين قد تتحقق أحلامهم، وقد يجرفهم تيار الضياع وخيبة الأمل، وقد يعودون إلى أوطانهم بخُفَّي حنين، والغربة كربة وصعبة، ولا شيء يعوض دفء الوطن، وراحلين غير شرعيين.
وهؤلاء قد ينتهي بهم المطاف جثثًا طافية على شواطئ البحار، أو جثثًا هامدة في الصحراء، ومن ينجُ منهم من الموت يلاحقه الخوف من حرس الحدود، والسجون، والترحيل القسري، والعنف، والإهانة، والضرب، وربما القتل، بعد مطاردات وهروب عبر الغابات والصحاري، ولا زاد لهم غير همِّ وقلق الحصول على وظيفة، والأمن والأمان، والاستقرار، وتحقيق أحلامهم التي من أجلها كان هذا الرحيل.
وقد التقيت قريبًا بمهاجر إثيوبي ذهب إلى اليمن ثم السعودية، وحكايته أغرب من الخيال. سألته: ما الداعي لهذا الرحيل؟
فأخرج هاتفه، وفيه صور تغني عن كل كلام: أربعة أطفال جوعى، وكوخ من قش، وأب مريض وجائع.
وقد يكون الرحيل من أجل التحرر من ربقة الذل والهوان إلى آفاق الحرية، ومن علاقة حب مُؤذية مليئة بالشجار والهجر والسهر والغيرة، وحب التملك، واختلاف الطباع والسجايا، والعواطف الخادعة والكاذبة.
ورحيل من زواج فاشل، وقد أباح الله الطلاق حين يصير أفق كل الحلول مغلقًا، والرحيل خيارًا لا بديل عنه.
ورحيل من وظيفة مثقلة بالقيود والملل والجمود.
ورحيل من أرض قد ضقت بها ذرعًا، وجيران لا ترتاح لهم، وأصدقاء ضاع الانسجام معهم، ومن بلد إلى آخر، وحتى من مكان داخل الوطن إلى مكان آخر داخله، حين يصير البقاء مصدرًا لتكدير صفو الحياة، ومحاطًا بالدسائس والمؤامرات وافتعال المشكلات.
ورحيل إلى السلام النفسي بعد القلق والتوتر والحروب الطاحنة، رحيل إلى الطمأنينة والسكينة والهدوء، ورحيل من حالة فكرية إلى أخرى، ومن مفاهيم إلى مفاهيم أخرى، ومن حالة وجدانية إلى أخرى، ورحيل، ولو مؤقتًا، للترويح عن النفس من متطلبات الأسرة ومشاغل الحياة، والرحيل من هوان المعصية إلى عز الطاعة، ومن تسلط بعض البشر إلى الحالة التي تكون فيها أنت سيد نفسك.
ويظل الإنسان في حالة رحيل دائمة… حتى الرحيل الأخير… الموت.
