الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

 

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

حين ترتفع الأصوات وتتزاحم الكلمات في وسائل الأنباء وعلى شاشات التلفاز والهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، ويختلط الحابل بالنابل فإنَّ الحقائق لا تضيع، بل يضيع الوعي إن غاب الميزان والحكمة، وتلك هي ساعة الفطنة؛ حيث يكون الصمت بلاغة، والتأني فضيلة، والكلمة أمانةً.

​في الأوضاع الاستثنائية وغير الاستثنائية، حين تضطرب منصات التواصل بسيول الجُمَل والظنون، لا يُقاس الانتماء الوطني بكثرة التغريدات والمشاركات بسبب وبدون سبب، بقدر ما تُقاس قوة المرء على ضبط جوارحه الرقمية والسمو فوق مستنقع الجهل والتسرع، وحين تتسارع الأحداث يجدر بالإنسان الواعي أن يقول الكلمة الطيبة ويبتعد عن غيرها طواعية وصيانةً منه لوطنه وحراسةً للفضيلة؛ فلا يكن ناقلًا للشائعات والأخبار العرجاء والكلمة الطائشة التي تصبح كشرارات تسقط في الهشيم القابل للاشتعال الذي يبدأ بتغريدة أو مشاركة أو رأي صغير غير محسوب ينتظره أعداء الوطن ويضيفون عليه ما يشتهون ويعيدون نشره بكل الموقع، وما أسرع أن يتلبس الظن بثوب اليقين، ولنعلم أن التحقق من مصادر الوقائع من المصادر الرسمية هو أول درجات الاصطفاف الوطني.

إنَّ ما نكتبه أو ننشره قد يعبر الآفاق ويصل إلى آلاف الناس في لحظات، ومن هنا تتضاعف مسؤولية الإنسان في أن يتحرى الصدق، ويتثبت من الأخبار، ويزن كلماته قبل نشرها؛ فالكلمة الطيبة قد تصلح خاطرًا، وتنشر معرفة، وتؤلف بين القلوب، وتفتح بابًا للخير، بينما قد تتحول الكلمة الخبيثة أو الشائعة الكاذبة إلى سبب للخصومة والإساءة وإفساد العلاقات. لذلك فإن الوعي الرقمي ليس مجرد مهارة في استخدام وسائل التواصل؛ بل هو أخلاق ومسؤولية؛ أن نسأل أنفسنا قبل كل منشور أو تعليق: هل ما نكتبه حق؟ وهل فيه نفع للناس؟ وهل نرضى أن يبقى أثره شاهدًا علينا؟ فالكلمة في العالم الرقمي قد تُكتب في لحظة، لكن أثرها قد يبقى طويلًا.

​فكم من نظرة لحُب استطلاع، أو توثيق عفوي لمشهد عابر، قد تتحول إلى خريطة طريق للمتربصين بالوطن في هذه الظروف العصيبة والدقيقة، والكلمة الخبيثة عندما تتجرد فيها الأشياء من الحقائق تكتسي خطورة لا تخطر ببال، والحصيف هومن يسأل نفسه قبل الضغط على زر التوثيق أفي نشر هذه الكلمات أو الصورة ضرورة، أم أن حجبها أسلم؟

ختامًا.. إنَّ الوطن في أوقات الشدة لا ينتظر منَّا كثرة التغريد عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ بل عمق السكينة، فكُن- أيها الواعي- كما عُرف عن العُماني دائمًا؛ حكيمًا في صمته، متزنًا في نطقه، بعيدًا عن السطحية، قريبًا من نبض المصلحة العُليا لتُراب وطنه العزيز الغالي.

الأكثر قراءة

z