الشعر والشاعر ولغات العالم: هل نحب الأدب.. أم نحب لغتنا فقط؟

 

 

محمد أنور البلوشي**

حين نتحدث عن الشعر، هل نتحدث عن اللغة أم عن الإنسان؟ هل نتحدث عن القصيدة أم عن القلب الذي كتبها؟ وهل يمكن أن تكون قصيدة يابانية أقل جمالًا من قصيدة عربية لمجرد أنها كُتبت بلغة أخرى؟ أم أن الجمال، كما يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، لا يحمل جنسية، بل يسكن روح الإنسان أينما كان؟

دعونا نواجه أنفسنا قبل أن نواجه الآخرين. إذا سألت أي عربي: أيهما أجمل، الشعر العربي أم الشعر الياباني أو الإنجليزي أو الروسي أو الفارسي؟ فغالبًا ستكون إجابته، دون تردد: "الشعر العربي بالطبع." وليس لأنه قرأ الشعر الياباني، أو تعمق في الأدب الروسي، أو حفظ قصائد الإنجليزي وليم شكسبير، وإنما لأنه وُلد داخل اللغة العربية، فنشأ وهو يسمع المعلقات، ويحفظ المتنبي، ويطرب لأبي تمام، ويقف إجلالًا لأحمد شوقي.

لكن، هل يكفي الانتماء اللغوي ليكون حكمًا أدبيًا؟ أم أننا، من حيث لا نشعر، نصدر أحكامًا عاطفية أكثر منها نقدية؟

السؤال الأهم ليس: أي الشعر أفضل؟ بل: كم نحن، نحن الأدباء والقراء، مخلصون للأدب نفسه؟ هل نقرأ لنكتشف جمال الإنسان، أم لنثبت أن لغتنا هي الأجمل؟ وهل يتحول الأدب أحيانًا إلى نوع من التعصب الثقافي الذي يشبه التعصب الرياضي أو القومي؟

لو سألنا اليوم: ما الفرق بين أمير الشعراء أحمد شوقي، وبين شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور، الحائز على جائزة نوبل، أو بين شوقي وبين ميرزا غالب، أمير الشعراء في شبه القارة الهندية، أو بينه وبين الياباني ماتسوو باشو، سيد الهايكو، أو الإنجليزي ويليام شكسبير، الذي لا يزال شعره ومسرحه يُدرَّسان بعد أكثر من أربعة قرون؟ هل نستطيع أن نحكم بينهم بالعدل؟ أم أننا نحكم قبل أن نقرأ؟

إن أحمد شوقي لم يكن عظيمًا لأنه عربي فقط، بل لأنه استطاع أن يحول اللغة إلى موسيقى، والتاريخ إلى قصيدة، والوطن إلى إحساس. وكذلك كان المتنبي، الذي لم يكن شاعرًا للعرب وحدهم، بل أصبح شاعرًا للإنسان الذي يبحث عن الكبرياء والمعنى.

ولكن، أليس هذا ما فعله أيضًا شكسبير عندما كتب عن الحب والسلطة والخيانة؟ وأليس هذا ما فعله طاغور عندما جعل الطبيعة تصلي مع الإنسان؟ وأليس هذا ما فعله ميرزا غالب حين جعل الحزن لغة تتجاوز حدود الهند وأوروبا معًا؟

الشعر لا يولد من الأبجدية، بل يولد من التجربة الإنسانية. قد تختلف الكلمات، لكن الدموع واحدة، والحنين واحد، والخوف واحد، والأمل واحد. لهذا السبب تُرجمت أعمال دوستويفسكي، وليو تولستوي، وغابرييل غارسيا ماركيز، وبابلو نيرودا، وباولو كويلو، وهاروكي موراكامي إلى عشرات اللغات، ولم يفقدوا شيئًا من إنسانيتهم، لأن الأدب الحقيقي لا يعيش داخل القاموس، بل داخل القلب.

ولعل أجمل مثال على ذلك هو الشعر الياباني المعروف بـ"الهايكو". ثلاث جمل قصيرة قد لا تتجاوز سبعة عشر مقطعًا صوتيًا، لكنها تستطيع أن ترسم جبلًا، أو مطرًا، أو زهرة كرز، أو لحظة صمت، بطريقة قد تعجز عنها قصيدة طويلة. وفي المقابل، يقف الشعر العربي شامخًا بقصائده العمودية، وبحوره الخليلية، وقوافيه الموسيقية، وصوره البلاغية، التي جعلت النقاد يصفونه بأنه من أكثر الآداب ثراءً في العالم.

لكن، هل يعني اختلاف الشكل أن أحدهما أفضل من الآخر؟ بالطبع لا.

اللغة العربية تمتلك ثروة هائلة في الاشتقاق، والبلاغة، والاستعارة، والإيقاع. يكفي أن كلمة واحدة قد تحمل عشرات الظلال والمعاني. ولذلك وصفها المستشرق الألماني يوهان فك بأنها من أكثر لغات العالم قدرة على البقاء والتجدد. وفي المقابل، تمتاز اللغة اليابانية بالاختزال، والهدوء، واحترام الصمت، بينما تتميز الإنجليزية بالمرونة والانتشار، والروسية بالعمق النفسي، والفارسية بالرومانسية الصوفية، والإسبانية بالعاطفة المتدفقة التي نقرأها عند لوركا ونيرودا.

إن المقارنة بين اللغات يجب ألا تكون مسابقة لتحديد الفائز، بل رحلة لاكتشاف تنوع الجمال. فالزهرة ليست أجمل من البحر، والبحر ليس أجمل من الجبل، وإنما لكل واحد منهما طريقته الخاصة في إبهار الإنسان.

لقد كان جبران خليل جبران يقرأ الأدب الإنجليزي كما يقرأ العربية، وتأثر بـوليم بليك ونيتشه وإمرسون، ولم يرَ في ذلك تهديدًا للغة العربية، بل إثراءً لها. وكذلك فعل طه حسين عندما درس الأدب الفرنسي، والعقاد عندما انفتح على الفكر الإنجليزي، ونجيب محفوظ عندما استفاد من الرواية الأوروبية، حتى أصبح أول عربي ينال جائزة نوبل في الأدب.

إن الأدب لا يعرف الحدود السياسية. القصيدة لا تحتاج إلى جواز سفر، والرواية لا تتوقف عند نقطة تفتيش، والفكرة لا تعترف بخريطة العالم. عندما نقرأ قصيدة لمحمود درويش، فإن الياباني قد يبكي كما يبكي العربي.

وعندما نقرأ رومي، أو حافظ الشيرازي، أو طاغور، أو بابلو نيرودا، فإننا لا نسأل أولًا عن جنسية الكاتب، بل نسأل: ماذا قال لقلوبنا؟

المشكلة ليست في اللغات، بل في القراء. كثير منا يعشق لغته، لكنه لا يعرف شيئًا عن لغات الآخرين، ثم يصدر أحكامًا نهائية عليها. ولو أننا قرأنا الأدب العالمي كما نقرأ أدبنا، لاكتشفنا أن الإنسانية كتبت القصيدة نفسها آلاف المرات، ولكن بلغات مختلفة.

أذكر دائمًا مقولة الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس حين قال إن الجنة بالنسبة له كانت دائمًا مكتبة. لم يقل مكتبة إسبانية، ولا مكتبة لاتينية، بل مكتبة تضم كل أصوات العالم. فالمكتبة الحقيقية لا تضع الأدباء في منافسة، وإنما تجمعهم على رف واحد، حيث يجلس المتنبي بجوار شكسبير، وطاغور بجوار أحمد شوقي، وميرزا غالب بجوار محمود درويش، وباشو بجوار نزار قباني، دون أن يشعر أحدهم أنه أقل من الآخر.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل أديب على نفسه: هل أنا وفيٌّ للغتي فقط، أم وفيٌّ للأدب أيضًا؟ وهل أبحث عن الحقيقة والجمال أينما وُجدا، أم أكتفي بما ورثته دون أن أكتشف ما كتبه الإنسان في بقية أنحاء العالم؟

إنني أؤمن بأن اللغة العربية ستظل واحدة من أعظم لغات الأرض، ليس لأنها لغتي فقط، بل لأنها حملت القرآن الكريم، واحتضنت المتنبي، والمعري، وأبا تمام، وأحمد شوقي، ونزار قباني، ومحمود درويش.

ولكنني أؤمن أيضًا أن عظمة العربية لا تكتمل إلا عندما تمد يدها إلى بقية لغات العالم، لا لتنافسها، بل لتتحاور معها. فالأدب الحقيقي لا يبني الجدران بين الأمم، بل يبني الجسور بينها.

وربما لهذا السبب، فإن أعظم شاعر ليس من يثبت أن لغته هي الأجمل، وإنما من يجعل إنسانًا في أقصى الأرض يبكي، أو يبتسم، أو يفكر، رغم أنه لا يتحدث لغته. هناك فقط، يصبح الشعر لغةً عالمية، ويصبح الشاعر مواطنًا في قلب الإنسانية كلها.

 

**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z