انهض واقتل أولًا!!

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

لا يمكن قراءة التقارير الأخيرة عن خشية واشنطن من نية إسرائيل اغتيال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بمعزل عن التاريخ الطويل لسياسة الاغتيالات الإسرائيلية. فالأمر لا يبدو حادثة عابرة، بل امتدادًا لعقيدة أمنية موثقة في كتاب الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان "انهض واقتل أولًا: التاريخ السري لعمليات الاغتيال المستهدفة التي نفذتها إسرائيل" (Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations)، الذي يكشف أن الاغتيال لم يكن استثناءً في سلوك إسرائيل، بل أداة ثابتة من أدوات سياستها الخارجية والأمنية.

عنوان الكتاب مأخوذ من مقولة تلمودية قديمة: "إذا جاء أحد ليقتلك، فبادره بالقتل أولًا". ويرى بيرغمان أن هذه الفلسفة تحولت، عبر العقود، إلى ركيزة أساسية في عمل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. ووفقًا لما أورده الكتاب، نفذت إسرائيل ما لا يقل عن ٢,٧٠٠ عملية اغتيال أو محاولة اغتيال منذ عام ١٩٤٨، وهو رقم يجعل برنامج الاغتيالات الإسرائيلي من الأوسع والأكثر استمرارية في التاريخ الحديث.

الجديد في قضية عراقجي وقاليباف، إن صحت التقارير الأمريكية، أنها لا تتعلق بقادة عسكريين في ميدان القتال، بل بشخصيات سياسية تفاوضية. فقد تحدثت تقارير أمريكية عن خشية واشنطن من أن تقدم إسرائيل على استهداف شخصيات إيرانية بارزة تشارك في صنع القرار أو في المفاوضات، وهو ما اعتبره بعض المسؤولين الأمريكيين تهديدًا لمسار التسوية نفسه. فاغتيال مفاوض لا يعني فقط قتل شخص، بل قد يعني قتل فرص الحوار والدبلوماسية.

وعلى امتداد العقود الماضية، لم تقتصر عمليات الاغتيال على ساحات القتال. ففي الأردن عام ١٩٩٧، تعرض خالد مشعل لمحاولة اغتيال باستخدام السموم، الأمر الذي تسبب في أزمة سياسية كبيرة انتهت بإجبار إسرائيل على تسليم الترياق المنقذ للحياة. وفي دبي عام ٢٠١٠، اغتيل محمود المبحوح داخل أحد الفنادق في عملية معقدة اتهمت شرطة دبي الموساد بالوقوف خلفها، بعد الكشف عن شبكة من العملاء استخدمت جوازات سفر أجنبية منتحلة، ما أثار استياء عدد من الدول الغربية.

كما ارتبط اسم الموساد بعمليات اغتيال علماء وخبراء ومسؤولين في عدد من الدول، وباستخدام وسائل غير تقليدية تراوحت بين السموم والعبوات اللاصقة وأجهزة الاتصال المفخخة. وقد أعادت حادثة أجهزة النداء التي انفجرت في لبنان عام ٢٠٢٤ الجدل حول حدود العمل الاستخباراتي، حين تتحول أدوات الاتصال المدنية إلى وسائل قتل وإصابة جماعية.

ولم تعد دائرة الاستهداف مقتصرة على السياسيين والعسكريين فقط. فقد دفعت الحرب في غزة العديد من المنظمات الدولية والحقوقية إلى دق ناقوس الخطر بشأن أعداد الصحفيين الذين قتلوا أثناء تأدية عملهم. ووصفت لجنة حماية الصحفيين النزاع بأنه الأكثر دموية على الصحفيين منذ بدء توثيقها لهذه الحالات قبل أكثر من ثلاثة عقود، الأمر الذي عزز الانتقادات الدولية لإسرائيل، وأثار تساؤلات متزايدة حول احترام القانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين.

المفارقة أن هذا الجدل لم يعد يقتصر على خصوم إسرائيل أو منتقديها في الخارج. فقد كتب المعلق العسكري الإسرائيلي يوآف ليمور أن إسرائيل أصبحت أكثر جرأة بعد سلسلة من الإنجازات العسكرية، واعتقدت أن المزيد من الضغط والعمليات العسكرية سيقودان حتمًا إلى النتيجة المرجوة. لكنه حذر من أن هذه الاستراتيجية قد تكون مفيدة للعلاقات العامة والاحتياجات السياسية قصيرة المدى، لكنها تستنزف أهم رصيدين تمتلكهما الدولة: الردع والشرعية الدولية.

وفي السياق ذاته، حذر كتّاب ومحللون إسرائيليون من أن إسرائيل تجاهلت، على مدى سنوات طويلة، التحذيرات من "تسونامي دبلوماسي" آخذ في التشكل. فبينما انصب التركيز على التفوق العسكري والنجاحات الأمنية، أخذت صورة إسرائيل الدولية تتآكل تدريجيًا مع تزايد الانتقادات المرتبطة بالحروب والاغتيالات والضحايا المدنيين. واليوم، بحسب هذا التقييم، لم تعد إسرائيل تواجه تحديات أمنية وعسكرية فقط، بل تواجه أيضًا أزمة متنامية في شرعيتها الدولية وقدرتها على المحافظة على الدعم السياسي الذي اعتادت الاعتماد عليه لعقود.

هذا التقييم ينسجم مع ما تكشفه وقائع العقود الماضية. فكثير من الاغتيالات حققت نجاحات تكتيكية، وأزالت شخصيات محددة من المشهد، لكنها لم تنهِ الصراعات التي كانت تلك الشخصيات جزءًا منها. بل إن بعضها أدى إلى ظهور قيادات جديدة، أو إلى تصعيد دوامات العنف والانتقام.

ويرى منتقدو هذه السياسة أن استهداف شخصيات عليا بحجم المرشد الإيراني أو كبار المسؤولين وأعضاء الحكومة لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأمن أو الاستقرار الذي تنشده إسرائيل.

فمثل هذه العمليات قد تُنظر إليها، لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين، وكذلك لدى كثير من العرب والمسلمين، باعتبارها اعتداءً على رموز سياسية أو وطنية، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق مشاعر العداء والرغبة في الانتقام بدلًا من إضعافها.

ومن هذا المنظور، فإن الاغتيالات الكبرى قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنها قد تخلق، في المقابل، أجيالًا جديدة أكثر تشددًا وأقل استعدادًا للتسويات السياسية.

إن ما يكشفه كتاب "انهض واقتل أولًا (Rise and Kill First)"، وما تعكسه النقاشات الدائرة اليوم داخل إسرائيل وخارجها، هو أن الاغتيال لم يعد مجرد وسيلة أمنية، بل أصبح جزءًا من فلسفة سياسية كاملة. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن القوة قادرة على إزالة الأشخاص، لكنها أقل قدرة على إزالة الأفكار أو إنهاء النزاعات.

وعندما تصبح الاغتيالات بديلًا عن السياسة، وتتحول القوة العسكرية إلى الأداة المفضلة لإدارة الأزمات، فإن النتيجة غالبًا لا تكون سلامًا دائمًا أو أمنًا مستقرًا، بل صراعًا أطول وأكثر تعقيدًا وكلفة على جميع الأطراف.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z