ماجد المرهون
صدى الخُطوات الثقيلة في ظلال الرواق المُمتَّد بين جنبات أعمدة الرخام البيضاء يتداخلُ مع أزيز رياح تشرين الثاني، وحفيف أشجار البلوط والزيزفون، ويتماهى مع فحيح المستشارين، لتبدو القاعة في نهاية المسار كمسرح أحمر تتصادم فيه أشباح التاريخ، وتستحضِر أسماءً غابرة كُتبت على لوحٍ من ذهبٍ ونحاس، لتُخلَّد في ذاكرة فريق يُمجدها، وآخرٍ يمقتُها. هناك، حيث جلس هرقل على عرشهِ متَّكئًا على دعائم حديدية عابرة للحدود، وينظُر عبر عدساتهِ الفلكية إلى تلاطم الأمواج رغم ضيقِ المعبر، فتنبض أمامه تحت شمس الظهيرةِ كالشريان الأبهر الذي ضُخت فيه دِماء الممالك، ومُمسكًا بخيوط اللعبة كالمُمسك بأوتار قيثارةٍ بإحكام، فإن اشتد ضغطهُ تقطعت، وإن تراخى شذت الأنغام وخفتت.
على مدى غير بعيدٍ، في أقاليم شاسعة تغيبُ شمسها في الغابات السوداء والثلوج البيضاء، يرقُب القيصر المشهد بعينين كأنهما جمر حطبٍ يوشك أن يخبو، إنه قليل الكلام لانشغاله بترتيب أحجار الشطرنج على طاولة خشب البُرتقال الأوساجي، ويدرك أن كل خطوة يخطوها هرقل في مفازة الصحراء الشرقية هي فرصة تحتِّم على القيصر بناء إمبراطوريته الأسطورية ليضمن موطئ قدمٍ بين الممرات الضيقة، لأنه لن يتخلى ببساطة عن حمل راية حماية العهود القديمة التي أصَّلها، وشاهرًا بيده الأخرى سيف التوازنات الجديدة، وإن لم تعد لهجمات بيادقه تأثيرًا، ولا لسيفهِ العتيق صليلًا.
وراء الضفةِ المُناظرة، حيث الأيوان الجاثم يُبرِز جبروتهُ عمدًا، وتحتضن قِباب المدائن الساسانيةِ نارًا لم تطفأ جذوتها منذ ألف عام، يرتدي كسرى عباءةً نُسجت من وعود الأزل وخيوط الزمان، وينظر لجيرانهِ كأرباب ثراءٍ لا كسادة، ويفتقرون إلى عمق الدهاء الذي شيد أركان مملكته، وهو يعلم أن أطراف جذور سلطته تتسلل إلى الساحل المقابل عبر الرسائل الخفية، وليس بالضرورةِ عبر الجيوش الجرارة أو الوعود البراقة، وقد باتت الرايات باختلاف ألوانها تُرفع في النور بعد أن حيكت في الظلام، إنه يراهن على الوقت، والزمن هو لُعبته المُفضلة، وكُلما استنزفت السنين طاقات الآخرين كلما اقتربت اللحظة التي يستعيد فيها تاجهُ وصولجانهُ وهجهُما على سائر الخلجان، وثأر ذي قار لا يراوح هاجسه، والأكاسرة لا ينسون ثاراتهم.
يمتد البحر الأشهب الجاف بين قرنين كلاهما مشرق، وبين الأزلية والأبدية، وفي قلب الصحراء ثبات كرامةِ أمير المؤمنين على مبدأ الحكمة لا المال، فالدار التي بُويع عليها لا ينقُصها الذهب، فهي خزائن الدنيا، ومهوى القلوبِ، ومحط الأنظار، ومحل الأطماع، ولم تكُن الهيبةُ تعتمد على الثراء وحسب، بقدر ما كانت مُعتمدةً على صون الدين والحفاظ على وحدة القوم وتماسكهم في زمن الفتن والتفتُّت، وهو يُدرك يقينًا الجوار الشائك، فمن الغرب يمكر هرقل ويساوم قيصر، ومن الشرق نفاق كسرى، وما بينهما حربائيات بني الأصفر، وللجميع نوايا خفية طامعة، وأهداف مُعلنة طامحة، فكان لزامًا على الخليفة أن يُعادل ويوازن حلم الحكيم بحزم الفارس، فيمد يدًا للسلام مع ضعفه وانفراط عقد من حوله، ويسد بالأخرى ثغورًا وجبهات، مُتمسكًا بعهد الآباء، وساعيًا لحماية السواحل المُمتدة تحت الرايات المُبهرجة.
تصدم الجبال في أقصى الجنوب بالبحر وتاريخ التبابعةِ، وتلتَّف الشِعاب بغموض الأقيال والأذواء في الأرض التي أرهقت بدماءِ أهلها ودموع ساكنيها، والصراعات تتجاذبها الأيدي، ولم يكن القرار بيد حكيم واحد أو حكيمة واحدة، وإن فضَّلت دين سليمان، وإلى هذا الثغر تأتي الرسائل مُكسرة مشفَّرة، وحصون جبالها تُهدد حواضر وسواحل الإمارة، وقد أهرقت الماء على خطوط التجارة، فغارت معها حسابات ألكسيدر وأغسطس؛ لقد أصبحت هذه البقعة كفتيلٍ مُشتعل بيد طفل، كلما قام مُجدد على رأس مئة عامٍ لإطفائه هرول الطفل بمشعلهِ ناحية أهله وهم منه هاربون، حتى إذا تطاير الشرر وأحرق ثيابه وجسده، صار جرحًا ينزف ويكبر في جسد الأمة، وميدانًا يستعرض فيه الغُرباء صراع إراداتهم دون أن ينزف أبناؤهم قطرة دم.
ينظر العالم اليوم إلى مشهد حد الصارم كالقدر فوق رقاب الممالك، والأرض تحتها تمور، وبحرها مسجور، فيحسب هرقل تكاليف ومكاسب بقائه في المياه الدافئة، وينتهز قيصر لحظة اللامناص لإثبات وجوده، ويرقب كسرى نضج ثمار بلحهِ في الشام وعنبه في اليمن، بينما يسعى الخليفة بضعفهِ لجمع شمل القوم وحماية شرف الدار في عين إعصار فيه نار لا يبقي ولا يذر، ما لم تشأ إرادة القدر شيئًا آخر، وتعود الأسماء القديمة لترتدي أقنعة العصر الجديدة، إلا أن أصل المبدأ لم يتغير، وتسيل الدماء في الأطراف لتبقى العروش ثابتةً في المراكز... ولكن إلى متى؟!
