حساب متوسط استياء الفرد

 

 

 

ماجد المرهون

majidomarmajid@outlook.com

 

 

تعد الرياضيات من أصلب العلوم واقدرها على البرهنةِ والإثبات كقدرتها على الدحض والإبطال لما كان يعتقد سابقًا بتأكيده، ولا أهدف هنا إلى تقديم درسٍ في الرياضيات وإن كان الجوهر العائم على السطح يتوسل بآليات الحساب للتعبير عن أدق تفاصيل الحياة كما جرت العادة في عصرنا المُسمى بالحديث؛ حيث مفاهيم التفاضل والتكامل والجذور التربيعية تُقحَم قسرًا في تفسير العيش، حتى باتت تتلخص أزمة الفكر المعاصر في محاولة اختزال الكائن الكليّ المتسامي في قوالب كمّية جافة، ليتراجع الوجود الإنساني أمام سطوة الأرقام التي تُجرّده من حقيقته المعيشة.

تترد من هذا المنطلق البارد وفي مناسبات رسمية مقولة "متوسط دخل الفرد" كالحقيقة الساخنة، وما هي في واقع الأمر إلا صنيعة آلية تجمع أجور الجميع لتقسمها على عددهم الشكلي، منتجةً رقمًا تقريبيًا. ولعل هذه التقريبية هي الفجوة الاشكالية التي تتسلل منها المغالطات، وهي ذاتها الستار الذي يُتخذ العذر الشرعي لتبرير نفس الفجوة الاشكالية، إذ أن تجريد المفهوم عبر المتوسط الحسابي يمارس سرابية شائهة تصهر في افقها الواسع البعيد التفاوت الطبقي الكبير وتخلطهُ في إناءٍ واحد شديد الضيق؛ فلو اجتمع عشرة أفراد في حجرة واحدة بينهم واحد فاحش الثراء، فإن خرافة المتوسط ستُضفي صفة الثراء على الجميع، في حين أن الواقع المُضمَر بين جدران تلك الحجرة يحوي فقيرًا معدمًا وربما أكثر، ومُعسرًا يتخبط، وآخرًا ميسورًا وفرد غني يملك زمام المادة.

يبقى الإنسان وهو العلة الأولى والغاية الصريحة مُغتربًا بين عوالم الأنسنة في عصرٍ تُهرع فيه النظم التقدميِّة نحو أنسنة الجمادات بذكاء، كالهواتف والسيارات والشوارع والمؤسسات والمدن، لكنها وفي نفس الوقت تحول الذات البشرية إلى مفردة إحصائية مُجردة، وتغفل عن إسباغ صِبغة الروح على الرقم الجاف، بينما كان الأحرى بالمؤسسة المعرفية والإدارية أن تُؤنسن المعدلات الإحصائية ذات الارتباط المباشر بالوجود الإنساني بدلًا من التعاطي معه ككيان مادي لا نبض فيه، ومن هنا يغدو اعتماد حساب الوسيط بديلًا أكثر أمانة ورصانة كونه يلغي التفاوت الطبقي في معدل الدخل، وليس حساب المتوسط الذي يمحو بؤس الفقير ببذخ الثري ويلقي بظلال الشك على صورته الضبابية، فتنفر منها صرامة العقل الرياضي الأصيل المُعتد بالقِيم الحسابية الصلبة.

والغاية الكبرى للحكومات تتجاوز إدارة الأزمات والمحن من مالٍ واقتصاد وأنواء متطرفة وجوائح، إلى بناء جسر متينٍ من الثقة بينها وبين شعوبها لمنع الاحتقان الروحي المجتمعي، وعلاوةً على تقليل الخسائر المادية والبشرية وحصرها، فإن الأمر هنا يمتد إلى درء الفراغ النفسي والإحباط المعنوي الذي يصاحب احتقان الرأي العام جراء أطروحات شفهية لا ضرورة لها ولا طائل منها، كي تجري روح المصداقية بين صناع القرار والناس مجرى الحياة في الجسد، بيد أن هذه الثقة الهشة تصطدم غالبًا بجموح التصريح الرسمي غير المدروس من المسؤول بوصفه تجسيدًا للمؤسسة المُنتسِب لها فهو لا ينطق بصفتهِ الفردية، ومتى ما كانت كلماته مسكونة بالتقريب والنسبية والسطحية وتتمخض عن مساسٍ مباشر بقوت الناس وحياتهم، فإنها تطلق شرارة استياء عارم كان بالإمكان تلافيها بحكمة الصمت أو السكوت المرحلي، فالكلمة تبقى مُلكًا لصاحبها ما لم ينطق بها، فإذا ما حررها غدت ملكًا لغيرهِ، تحاكمه ويحاكمها.

ولا يستقيم النقد هنا في التشكيك بالقدرات العلمية والعملية أو الإدارية والتنفيذية لذلك المسؤول ومؤسسته أو لراسمي السياسات ومُتخذي القرار، ولكن سيجد النقد منفذًا جيدًا في غياب الفلسفة البلاغية وحنكة توقع ردود الأفعال قبل وقوعها، ومما لا شك فيه أن مخاطبة العامة فنٌّ قائم بذاته قد لا يتحقق لكل ذي سلطة أو علم، وترك هذا الفن لأربابه يُجنّب المجتمع الوقوع في اضطراب الفهم وتشويه الحقائق، وإذا كان الطرح لا يستند إلى ضرورة مُلحَّة فإن الحكمة تقتضي العزوف عنه وتركه، ومن السلامة بقاء بعض الحقائق في طيّ الخفاء حمايةً للاستقرار النفسي والاجتماعي، وربما تأجيل بعض الشؤون إلى وقتٍ أكثر مُلائمة يكون أكثر حصافةً من مفاجئة كشفها بأسلوب يثير الريبة ويُربك العقل الجمعي، كما يؤدي الى ضعف التحليل الموضوعي واظهار جهةٍ مسؤولةٍ مرموقة في وضعٍ غير منسجم مع الواقع والتطلعات الطامحة للمواطن.

الأكثر قراءة

z