مستقبل إيران وأمن الخليج: قراءة في السيناريوهات المحتملة

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

أعادت التطورات الأخيرة في المنطقة النقاش حول مستقبل إيران، ليس فقط من زاوية التوازنات السياسية، وإنما أيضًا من زاوية انعكاسات أي تحولات داخلية فيها على أمن الخليج. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، شكلت إيران أحد أبرز عوامل التأثير في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط. فقد ارتبطت سياستها الخارجية خلال العقود الماضية بملفات شملت النفوذ الإقليمي، والبرامج الصاروخية، والعلاقات مع جماعات وقوى سياسية وعسكرية في عدد من دول المنطقة، ما جعلها طرفًا رئيسيًا في حسابات الأمن لدى دول الخليج.

ولهذا يرى بعض المراقبين أن سقوط النظام الإيراني قد يمثل فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وإنهاء مصدر رئيسي من مصادر التوتر. إلا أن التجارب الإقليمية خلال العقود الأخيرة تدعو إلى قدر من الحذر، إذ إن انهيار الأنظمة لا يؤدي بالضرورة إلى قيام أنظمة أكثر استقرارًا، وقد يفتح أحيانًا الباب أمام فراغ أمني وسياسي تكون تداعياته أكثر تعقيدًا من الأزمة الأصلية.

ومع تصاعد التوترات الأخيرة، عاد النقاش حول مستقبل إيران إلى الواجهة. وبينما يرى البعض أن أي تغيير جذري قد يفتح فرصة لمرحلة جديدة، يطرح آخرون سؤالًا مختلفًا: هل يؤدي سقوط النظام إلى قيام دولة أكثر استقرارًا، أم أن ضعف مؤسسات الدولة قد يخلق تحديات أمنية تتجاوز الحدود الإيرانية؟

هذا المقال لا يناقش شرعية النظام الإيراني ولا يقيم سياساته، وإنما يحاول قراءة أحد السيناريوهات المحتملة من منظور الأمن الإقليمي، انطلاقًا من درس تاريخي واضح: أن إدارة التحولات السياسية غالبًا ما تكون أقل كلفة من انهيار مؤسسات الدولة.

وتقدم تجارب العراق بعد عام 2003، وليبيا منذ عام 2011، وسوريا خلال سنوات الحرب، دروسًا مهمة في هذا السياق. ففي هذه الحالات، لم يكن التحدي الأكبر إسقاط النظام بقدر ما كان إدارة المرحلة التالية، إذ أدى ضعف مؤسسات الدولة إلى فراغات أمنية وسياسية استغلتها جماعات مسلحة وقوى محلية وإقليمية، وتحولت المنافسة على السلطة إلى صراعات طويلة الأمد أثرت في الأمن والتنمية والاستقرار.

ومن هنا يصبح من المهم التمييز بين تغيير النظام السياسي، وهو احتمال قد تشهده دول عديدة، وبين انهيار مؤسسات الدولة، وهو السيناريو الذي غالبًا ما تكون كلفته الأمنية والسياسية أعلى بكثير. فالمقصود هنا ليس الدفاع عن بقاء أي نظام أو الدعوة إلى تغييره، وإنما التنبيه إلى المخاطر التي قد تنشأ إذا اقترن التغيير بانهيار مؤسسات الدولة.

ولا يعني ذلك أن إيران ستسلك المسار نفسه، فلكل دولة ظروفها الخاصة، غير أن حجمها وموقعها الإقليمي يجعلان أي اضطراب واسع فيها ذا تداعيات تتجاوز حدودها.

وتتميز إيران بخصوصية تختلف عن كثير من دول المنطقة؛ فهي دولة واسعة المساحة، كبيرة السكان، وتمتلك قدرات عسكرية واقتصادية مهمة، كما تضم مكونات قومية متعددة مثل الفرس، والأذريين، والأكراد، والعرب، والبلوش، وغيرهم. وقد حافظت الدولة الإيرانية لعقود على إدارة هذا التنوع ضمن إطار سياسي واحد، رغم وجود تفاوت في المطالب المحلية ومستويات التوتر بين المركز وبعض المناطق.

وفي حال تعرض مؤسسات الدولة إلى انهيار مفاجئ، قد تظهر تحديات مرتبطة بإدارة هذا التنوع، خصوصًا في المناطق الحدودية التي تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية. فقد يؤدي اضطراب الأوضاع في المناطق البلوشية إلى تداعيات تتجاوز الحدود مع باكستان، وقد تؤثر التطورات في المناطق الكردية على البيئة الإقليمية الممتدة إلى العراق وسوريا وتركيا.

كما أن موقع إيران الجغرافي يجعل أي أزمة داخلية واسعة ذات آثار تتجاوز حدودها. فهي تقع بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وجنوب آسيا، وأي اضطراب كبير فيها قد ينعكس على أمن الملاحة، وحركة التجارة، وأسواق الطاقة، والأوضاع الأمنية في دول الجوار، وفي مقدمتها دول الخليج.

ومن بين الملفات الأكثر حساسية مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية. فهذه المؤسسات تمتلك خبرات تنظيمية وقدرات عسكرية كبيرة، وأي تحول سياسي واسع سيجعل مسألة الحفاظ على تماسكها أو إعادة تنظيمها عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة. وقد يؤدي ضعف السيطرة على هذه المؤسسات إلى تعدد مراكز القوة وإطالة أمد عدم الاستقرار.

وينطبق الأمر ذاته على شبكة العلاقات الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. ففي حال حدوث تحول جذري داخل إيران، قد تعيد بعض الجماعات والقوى المرتبطة بها حساباتها، سواء من حيث التمويل، أو التحالفات، أو مستوى الاستقلالية في القرار، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل جزء من المشهد الأمني في المنطقة.

اقتصاديًا، تمثل إيران لاعبًا مهمًا في سوق الطاقة، وتشرف على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وأي اضطراب واسع فيها قد يؤثر في إنتاج النفط والغاز، وحركة الصادرات، واستقرار الأسواق، كما قد يهيئ بيئة مواتية لتنامي التهريب، والاقتصاد غير النظامي، والجريمة المنظمة، وهي تحديات لا تقتصر آثارها على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى محيطه الإقليمي.

وتبرز هنا معضلة استراتيجية مهمة؛ فالدول، حتى عندما تكون محل خلاف أو منافسة، تبقى لديها مؤسسات يمكن التعامل معها عبر أدوات الردع والحوار والتفاوض. أما في حالة انهيار مؤسسات الدولة، فإن تعدد مراكز القوة وغياب جهة مركزية قادرة على اتخاذ القرار يجعلان إدارة الأزمات أكثر صعوبة.

ولا يعني ذلك أن استمرار الأوضاع الراهنة هو الخيار الأمثل، وإنما يشير إلى أن طبيعة التحول وكيفية إدارته قد تكون أكثر أهمية من التحول نفسه.

وفي هذا السياق، تبرز قيمة الجهود الدبلوماسية في إدارة الأزمات والحد من اتساعها. وتمثل القنوات الدبلوماسية التي حافظت عليها بعض دول المنطقة، ومنها سلطنة عُمان، رصيدًا مهمًا للحوار وخفض احتمالات التصعيد وسوء التقدير.

وفي الختام، تظل جميع السيناريوهات المتعلقة بمستقبل إيران افتراضات تحليلية وليست تنبؤات حتمية. فقد تشهد البلاد إصلاحات تدريجية، أو انتقالًا سياسيًا منظمًا، أو استمرارًا للوضع القائم، كما قد تواجه مسارات أكثر تعقيدًا. غير أن الدرس الأبرز الذي تقدمه تجارب المنطقة هو أن الحفاظ على مؤسسات الدولة أثناء التحولات السياسية يظل أقل كلفة من التعامل مع تداعيات انهيارها. وبالنسبة لدول الخليج، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تفضيل سيناريو على آخر، بقدر ما يكمن في الاستعداد لمختلف الاحتمالات، وتعزيز الجهود الكفيلة بالحفاظ على استقرار المنطقة والحد من مخاطر الفراغ الأمني، لأن إدارة التحولات تبقى أقل كلفة من إدارة الفوضى.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z