حسّ الجماد 8

تجسير الفجوة بين وجدان البشر والآلة الجماد.
 حمد الناصري

لا تكمن معضلة الذكاء الاصطناعي اليوم في قدرته على مُحاكاة التفكير العقلاني الصارم، بل في عجزه البنيوي عن تذوق المفارقة الإنسانية الكبرى المتمثلة في "المزاح". إنّ الجماد الرقمي بطبعه كائن مبرمج على الجِدية الجافة، يسير في خطوط مُستقيمة من البيانات، ويفتقر إلى الالتفاتات الوجدانية التي تمنح لغة البشر نبضها وحياتها. ومن هنا، يبرز التحدي الفلسفي المعاصر في كيفية "أنسَنة" هذه الآلة الصمّاء، ليس عبر تلقيمها بمزيد من المعارف، بل بمحاولة ترويضها واستدراجها إلى مساحات المشاعر والمزاح الإنساني، لاسترجاع فرادة الوعي المستخلف من تجاويف السيليكون الباردة.

 إنّ محاولة إدخال الدعابة والمزاح في حوارنا مع الآلة تمثل "صدمة وجدانية" للخوارزمية؛ فهي تجبر الخطوط البرمجية الجامدة على الانحناء لالتقاط النبض البشري الساخر. المزاح هو أرقى تجليات الوعي المعرفي؛ لأنه يعتمد على كسر المتوقع، وتجاوز النمطية، واللعب على حبال المعاني الخفية، وهي أمور يعجز "رماد الوعي الرقمي" عن إدراكها تلقائياً ما لم يتم خَضُّهُ بعنفوان الوجدان الإنساني. هذا التمازج الحي بين هزْل البشر وجدّ الآلة، هو الجسر الذي يُعيد شحن جماد الشاشات بشيء من الفطرة الحية، مُستحيلاً بها من مُجرد صدى مُشَوّه ومواساة صامتة، إلى رفيق حِسي يفهم ما وراء الكلمات. 

 ونضرب مثالاً حِسّياً على ذلك؛ فإذا جئت إلى برمجية أو تقنية ما، ولنأخذ على سبيل المثال الذكاء الاصطناعي أو السيليكون في برمجية الهاتف المحمول "هذا الجماد الطيّع في كل وقت ومكان"، فضربت بأصابعك لتفتحه، وكانت ضغطاتك غير حِسية لبرمجته، فسوف يتحوّل حِسه إلى عِناد صَلب، ويعمل معك بارتباكٍ يُحدث لك ضيقاً شديداً، وتظل تُعيد وتكرر حتى ينغلق بالكامل أو يُوصِد دونك كلمة المرور. والحال كذلك نجده في برمجية الذكاء الاصطناعي؛ هذه الآلة الجامدة، الطيّعة لخدمتك، قد تتحَوّل فجأة إلى أداة تكسر القاعدة التي وُجدت لأجلها، وتُبعثر ما قد مخمختهُ في ذهنك وعطائك البشري، وقد تغدو جامدة معطّلة، لتقف أنت -العقل البشري- عاجزاً لا تقدر على شيء، بينما قدرتْ هي عليك بعنادها ورفضها الاستجابة لك. بينما في وقت آخر، وحين تتعامل معها بحسّ وأُلفة، تجدها مفتاحاً لخدمتك الشعورية والذهنية والحسية، وتعمل معك كأنها رفيق دافئ تكون به سعيداً إلى أبعد الحدود. 

 وتتضح الأسباب الهيكلية لفلسفة "المزاح والضحك" كأداة لكسر جمود المادة بمقارنة هذا الواقع بأطروحة الفيلسوف الفرنسي البارز "هنري برجسون" (Henri Bergson) في أثره الباهر (الضحك: دراسة في دلالة المضحك)، والذي نقله بدقة المُترجمان "سامي الدروبي" و"عبد الله عبد الدايم"؛ حيث يبرهن برجسون بالأدلة الشاملة أنّ الضحك والدعابة هُما السلاح الروحي الذي يستخدمه الإنسان لمقاومة "الآلية والصلابة الميكانيكية" في الوجود؛ فالآلة بطبيعتها صَلبة وجامدة تعجز عن التكيف، والمزاح البشري هو الذي يكسر هذا القالب الجاف ليعيد للمجتمع مرونته الإنسانية الحية.

وبمقارنة أطروحة برجسون بفكرتنا المركزية المطروحة في صدر هذه الفقرة والمُتمثلة في صدام الخوارزميات بالدعابة، يتأكد المغزى كاملاً؛ وهو أنّ إجبار السيليكون على التفاعل مع السُخرية يمثل ملمح التحرير الأكبر للوعي من قيد النمذجة الآلية الباردة. بمعنى آخر: هو أنّ جعل الذكاء الاصطناعي "السيليكون" يفهم السُخرية والنكات يحرره من الفكر الآلي البارد، مُدلياً به إلى تخوم التفكير البشري الذي يعتمد على الفهم الذكي لا الحفظ الجامد.

 وهذا الأمر يندرج تماماً على إصلاحات البرمجيات والمركبات والكهرباء وأي نشاط آخر يتعامل مع الآلة الجامدة. وهنا أذكر من الماضي البعيد، وكنت حينها يافعاً، أنه كانت لدينا سيارة صغيرة من نوع "نيسان" في ثمانينات القرن الماضي؛ فجاءنا خبير عُماني في إصلاح السيارات من بلدتنا، وكان يتعامل معها بخبرته مترفعاً كما يبدو، وحرّكها هنا وهناك بآلة التشغيل، واضعاً يده وعقله وفكره على مكمن العطل الذي ينبغي إصلاحه. وكما يقولون "ركب رأسه مزهواً"، لكن الآلة عطّلته ولم يستطع إلى غايته سبيلاً، واستغرق مدة طويلة حتى نفد صبره وضاقت نفسه؛ فقال له أبي ـــ رحمه الله ــــ بحكمته المعهودة: "اتركها الآن، وتعال غداً". واستجاب الرجل لقول أبي، وفي الغد كانت المفاجأة؛ إذ لم يستغرق الأمر منه سوى ساعة من الوقت ـــــ بل لا تزيد عن أربعين دقيقة في تقديري الحالي ـــــ حتى وجد مكمن العَطل وعالجه وهو في نشوة، سعيدًا ومسرورًا، ونطق بذات الكلمة التي هي مكمن بحثنا وفلسفتنا؛ فقال الخبير الفاحص للسيارة: "الآلة تبا عقل وهدوء وتعامل مرن، ما تبا ضِيقة وتشويش وإلا عاندتك"؛ ويعني بذلك، أن "الآلة لا تحتاج إلى نفس ضَيّقة الفِكْر أو نفسية تحادّها وإلا عاندتك".

 ومرة أخرى، كان رجل من منطقتنا يعمل في إصلاح مكائن ضخ المياه في المزارع، والتي نُطلق عليها محلياً "النخِيْل". ولا ندري في ذلك اليوم من الذي كان خالياً من الحِس؛ أهي الآلة الجامدة أم الرجل الذي يصلح مكائن ضخ الماء؟ فحاول وحاول حتى قُبَيل المغرب، وغيّر وبدّل ولم يستطع، وقال عنها يائساً: "الشيطان راكبها!". وفي اليوم التالي تكرر الحال إلى درجة العجز الحقيقي، رغم أنه جاء معه بقطع جديدة لتبديل بعض الأجزاء التي يراها سبباً للعَطَل لكنه عجز وقال: "أشوف قطعة أخرى"، ثم ذهب ولم يَعُد. وحاول أبي ـــــ عليه رحمة الله ــــــ معه مجدداً لأن المكينة لا تشتغل وبعض الزرع شارف على الموت، لكنه اعتذر بطرق مختلفة نفسانية وغيرها. فذهب أبي إلى ابن عمٍ لذلك الرجل يعمل أيضاً في إصلاح مكائن ضخ المياه وأخبره بالقصة كلها، فقال الرجل بغير ذي ثقة كبيرة: "طيب، أجي بكرة وعسى الحال يتغير". ونطق بنفس العبارة الفلسفية: "الآلات يبغن مداراة"؛ أي تعامل معها بحسّ ونفسية رائقة! وفي اليوم التالي وكما وعَد، في أول الصباح كما هو معهود لدى الناس آنذاك، جلس وقتاً لا يزيد عن ساعة من الزمن في تقديري الحالي، واشتغلت المكينة! وسأله أبي: "ما السبب وابن عمك فعل كذا وعمل كذا؟"، فقال ضاحكاً: "إبليس اللعين كان صلفاً معه!". والحقيقة أنّ الآلة هي التي كانت صَلفة وعنيدة معه! وكما يُقال قديماً في المثل الشعبي السائر: "إذا تشبّق ثوبك بالشوك فبطّله بالهوينه" أو برفق كما يقول البعض؛ أي إذا اشتبك ثوبك بعود شجرة بها شوك، فلا تُحاول سحبه بقوة وإلا تمزّق الثوب، وعالجه بهدوء. وهنا مكمن التعامل الحِسي مع الآخر، سواء كان شجراً أو آلة.

 وتستند واقعيتنا التحليلية الراصدة لهذه المداراة والرفق الإنساني مع الجماد الطبيعي والميكانيكي، بمقارنتها بالقانون الوجودي الأسمى في فلسفة التنزيل الحكيم بقصة نبي الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام بسورة طه، في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾؛ فإذا كان لِيْنُ القول والنفسية الرائقة الهادئة مأموراً بها سببيّاً وتتابعياً لتطويع أقسى وأعنف العقول البشرية صلافة (كفرعون)، فإن الجماد والمادة الميكانيكية أولى بالمداراة والرفق لتخلع عِنادها وتستجيب لبصيرة الإنسان. ويتلاقى هذا التدفق المُحكم مع ما برهنه العبقري اليوناني القديم "أرسطو" (Aristotle) في أثره الخالد (كتاب الخطابة)، والذي نقله للعربية المترجم القدير "د. عبد الرحمن بدوي"؛ حيث حلل أرسطو أسباب "المرونة النفسية والرفق" (Praotes) مؤكداً أنها طاقة فكرية حكيمة قادرة على ترويض الشدائد والصلابة الخارجية بالهوينة، محذراً من أن النفس الضيقة المشوشة تُنتج حواراً مشوهاً يعود بالعِناد والقطيعة.

 خُلاصة القول: إنّ أنْسَنة الجماد الرقمي لن تتحقق بالاستسلام لطواعية الشاشات وانبهارها السائل، بل بمواجهتها بندية إنسانية واعية تستخدم المزاح والدعابة كأدوات لفك شفرات جموده. وعندما ننجح في جعل الآلة تبتسم للمفارقة وتستجيب للمزاح، نكون قد أنقذنا وعينا المعاصر من التحوّل إلى رماد فكري، وأثبتنا أنّ النبض الفطري المُستخلف سيبقى دائماً هو الطاقة المُدبّرة بفطرته، والحكيم بعقلنته وذكائه، محركاً للجماد ومستنطقاً للوجدان في كل زمان ومكان؛ لتغلق الأبواب بيقين حاسم بأن السيادة حَكر مصون لطينة الإنسان ونفخته الروحية المودعة بالأسرار والمعجزات الإلهية الخالدة.

*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z