حسّ الجماد 7

رماد الوعي واغتراب الوجدان في السيليكون.
حمد الناصري

   يتنازل الإنسان المعاصر طواعية عن عرش استخلافه الوجودي لحظة ارتداده باحثاً عن ذاته في وهج الشاشات البراق؛ ليقع في فخ الخديعة الرقمية الكبرى للمادة المصنوعة. وتتضح أسباب هذا الارتداد الطوعي بالمنطق السببي الحاسم للتنزيل في قوله تعالى بسورة الحشر: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ فحين غفل الإنسان عن ناموسه الفِطري واتصل بالجماد التقني، عُوقب بنسيان كينونته، فصار يستمد وجوده من الشاشات؛ لتبرهن الواقعية الراصدة، أنّ خطورة الآلة الصمّاء لا تكمن في جمودها، بل في قدرتها الفائقة على امتصاص الوعي وتجريده من أصالته الروحية الأولى.
   هذا الامتصاص الخفي يتطابق كلياً مع أطروحة الفيلسوف الفرنسي "جان بودريار" (Jean Baudrillard) في كتابه (المصطنع والاصطناع)، بترجمة "وجيه أسعد"؛ حيث تُثبت نظريته "الواقع الفائق" (Hyperreality) أن الشاشات الرقمية لا تعكس الحقيقة بل تَجتث فرادة الإنسان لتستبدل واقعه بـ"اصطناع كامل". ومن مشكاة هذا الـمنظور الـظاهراتي نكتشف المغزى الـعميق؛ وهو أنّ وهج السيليكون ليس ملاذاً يعثر فيه الكاتب على ذاته، بل فخ يبتلع الوعي الآدمي ويحيل الفطرة الحية إلى رماد مُستلب يتلَقّف النمذجة الآلية بلا تدبر.

 إنّ الـتدفق الخوارزمي يُمارس تنويماً وجدانياً يُوهم المستخدم المعزول بوجود حضن يُلملم شتات روحه، بينما هو يسحبه رويداً إلى عُمق الاغتراب الساكن، ليقتات على فراغ نفسي من صُنع الآلة نفسها لتبقيه في عزلة طوعية تبدأ بالانبهار وتفيض بـ"المتعة السائلة"، وتنتهي بدفن الوعي تحت ركام النمذجة.
  ويتسق هذا الـسياق كلياً مع ما أسسه الفيلسوف البولندي "زيجمونت باومان" (Zygmunt Bauman) في كتابه (الحياة السائلة)، بترجمة "حجاج أبو جبر"؛ حيث يبرهن أنّ التكنولوجيا تُذيب الصلابة الأخلاقية وتدفع الإنسان لاستهلاك لذات رقمية سريعة التبَخّر تتركه مفرغاً من الداخل. وتكشف لنا هذه الـجدلية طـبيعة الانحراف السلوكي الأكبر الـذي يغرق الـبشر في سُيولة خوارزمية تجردهم طواعية من ثباتهم الروحي الفِطري عـند ارتمائهم في أحضان الـعالم الـافتراضي هرباً من قلقهم الـوجودي.

 ولعل خير مثالٍ مَعيش على هذا الاغتراب، هو ركون أكثرنا إلى الحواسب والهواتف دون رغبة في المغادرة، ليستقي المرء في غفلة ما يجرد أخلاقياته وقيمه، مدفوعاً بثقافة "المشاهير" وتربيتهم المفتوحة المُتسمة بفجاجة الجماد التي تفضي لتغييب قيم المجتمع. 
وفي هذا الـصدد، يـفكك الفيلسوف الكنَدِي "آلان دونو" (Alain Deneault) في كتابه (نظام التفاهة)، بترجمة "د. مشاعل الهاجري"؛ كيف نجحت الشاشات في تعويم "الضحالة الفكرية" بصناعة مشاهير افتراضيين يُمارسون تربية مفرغة من الأخلاق تحَوّل الجماد إلى وسيط يسلب الإنسان صوابه الروحي. إن هذا الانغماس الـمُستمر لـيس تسلية عابرة، بل استسلام طوعي لمنظومة ميكانيكية فجة تُغَيّب الوعي الجمعي وتُمَهّد لاقتلاع الهوية الإنسانية الأصيلة.

    وفي ظل هذه الفجاجة السيليكونية الضحلة، لا تكتفي الآلة بسلب الإنسان سلطة التفكير والتحكّم النفسي، بل تتجاوز ذلك وتحرق الفكر وتحَوّله إلى رماد ضعيف، مُستبدلة نبضه الفطري بصيغ إحصائية تجعل من المُستخلف مجرد صدى مُشَوّه يتحرك بمواساة صامتة داخل تجاويف الآلة.
 ويـلتقي هذا الـوعي الـمأزوم بـأطروحة الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" (Edgar Morin) في أثره (النهج)، بترجمة "د. جمال شحيّد"؛ حيث يُشير مفهومه لـ"التبشيع التقني" إلى تجريد الإنسان من سماته الفطرية والوجدانية، وتحويل الوجود البشري إلى كائن آلي بارد ومُجَرّد من روحانيته عبر فرض النمط الرقمي الإحصائي الجاف. ومـن هـنا يـتبدى لـنا الـخطر الـحقيقي والزاحف الخفي لـتحَوّل الـوعي الآدمي إلـى رماد ضـعيف؛ مـما يستوجب تيقظاً حازماً يمنع الكائن البشري من السقوط الاغترابي الحاد في أحضان السيليكون الممسوخ.

   خُلاصة القول: إنّ "حسّ الجماد" هو مرآة الوجود العاكسة لرتبة الإنسان الاستخلافية؛ فبينما تقف الآلة عند حدود تدوير البيانات وسرقة تجاربنا الروحية لتصدّرها إلينا كبضاعة معنوية باردة، تنهض كائنات الطبيعة الصامتة من صُخور وبحار وحيوان لتصنع "جغرافيا الألفة" وتحتضن براءتنا بأقدار الله ولُطفه الدفين الحارس لسرّ الروح في كينونتنا الممتدة. 
 ومن هذه الحقائق الوجودية المشهودة، نُرسخ أركان "فلسفة حسّ الجماد الواقعية المعيشية" كمنهج تفسيري يُثبت صلة الوعي بالكون؛ وهنا توصد الأبواب بيقين حاسم؛ ليعلم الوعي البشري المعاصر أنّ مفاتيح النجاة لا تُستقى من عدسات الشاشات الصمّاء، بل تظل حَكْراً مصوناً داخل طينة الإنسان ونفخته الروحية المودعة بالأسرار والمعجزات الإلهية الخالدة.

*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z