الأدب لا يعرف الطبقات

 

حسين الراوي

مؤخرًا، وفي زمنٍ باتت فيه الجوائز الأدبية تُمنح غالبًا داخل دوائر مغلقة، وتُتداول أسماؤها بين النخب، جاءت قصة رجلٍ بسيط من الصين لتربك هذا النسق كله. لا لأنه كاتب متمرس، ولا لأنه تخرّج من جامعة مرموقة، بل لأنه ببساطة… كان يعمل في توصيل الطلبات.

هذا الرجل اسمه (وانغ جيبينغ). 
ستة وخمسون عامًا، يقود دراجته بين الشوارع، يلاحق الوقت، ويتحمّل ضغط الزبائن، ويعيش تفاصيل يومية لا يلتفت إليها أحد. لم يكن جزءًا من الوسط الثقافي، ولا حاضرًا في الندوات، ولا معروفًا في الصفحات الأدبية. ومع ذلك، كان يحمل في داخله شيئًا آخر؛ شيئًا لا يُرى بالعين، ولا يُقاس براتب، ولا يُدوَّن في عقد عمل… كان يحمل لغةً.

منذ سنوات، بدأ يكتب. لا تنظيرًا، ولا بحثًا عن شهرة، بل لأنه وجد في الكتابة مساحة يلتقط فيها أنفاسه. كتب أكثر من ستة آلاف قصيدة، كثير منها وُلد بين طلبٍ وآخر، أو في لحظات انتظار عابرة. كتب عن التعب، عن المطر الذي يلاحقه في الطريق، عن الخوف من التأخير، عن كرامة الإنسان حين تُختبر في تفاصيل صغيرة.

لم يكتب لأنه “يريد أن يصبح كاتبًا”، بل لأنه ببساطة… كان يشعر.

ثم فجأة، حدث ما لا يحدث كثيرًا: التفت الأدب إليه.

في دورتها الأخيرة، فاز وانغ جيبينغ بجائزة (لو شون) الأدبية، واحدة من أهم الجوائز في الصين، والتي يمنحها اتحاد الكتّاب الصينيين منذ تسعينيات القرن الماضي، وتُمنح دوريًا للأعمال المتميزة في مجالات الشعر والرواية والنقد والترجمة. ليست جائزة عابرة، بل مؤسسة أدبية لها تاريخ ومعايير صارمة، وتُعد من أرفع أشكال الاعتراف الأدبي داخل البلاد.

أن يفوز بها شاعر قادم من هامش الحياة، لا من صالونات الثقافة، فهذه ليست مجرد مصادفة… بل دلالة.

فاز عن ديوانه الشعري “التحليق المنخفض”، وهو عنوان يبدو وكأنه يلخّص رحلته كلها: شاعر لا يحلّق عاليًا في أبراج اللغة، بل يكتب وهو قريب من الأرض، من الناس، من التفاصيل الصغيرة التي نصادفها كل يوم ونمضي دون أن نراها.

وربما هنا تكمن المفارقة الأعمق: جائزة تحمل اسم “لو شون”، الكاتب الذي انحاز للإنسان البسيط، تذهب اليوم إلى رجل يعيش تلك البساطة نفسها، لا بوصفها مادة أدبية، بل بوصفها حياة يومية.

أما عن القيمة المالية للجائزة، فليست هي ما يلفت النظر بقدر مكانتها المعنوية، إذ تُعد من أرفع الجوائز الأدبية داخل الصين، وتكفي وحدها لأن تنقل كاتبًا من الهامش إلى الواجهة. ومع ذلك، بقي وانغ جيبينغ في عمله، يواصل التوصيل، وكأن شيئًا لم يتغير… أو ربما لأن كل شيء تغيّر بالفعل في داخله، لا في مهنته.

القصة هنا لا تتعلق برجلٍ فاز بجائزة، بل بنظامٍ كاملٍ اهتزّ قليلًا. لأن هذا الفوز لم يكن مجرد تكريم، بل كان تذكيرًا صريحًا بأن الأدب لا يُصنع في القاعات وحدها، ولا يُولد من التنظير فقط، بل قد يخرج من الشارع، من التعب، من حياةٍ لا يكتبها أحد.

الأدب، في جوهره، ليس ترفًا لغويًا. إنه انعكاسٌ للحياة، بكل قسوتها وبساطتها. وهذا ما فعله ذلك الرجل: لم يجمّل الواقع، بل نقله كما هو، فكان أكثر صدقًا من كثيرٍ من النصوص المصقولة.

ربما نحن بحاجة إلى مثل هذه القصص، لا لنصفّق لها فقط، بل لنعيد النظر في مفهومنا عن الكاتب. فليس كل من كتب أصبح أديبًا، وليس كل أديبٍ وُلد داخل مكتبة.

هناك، في زاويةٍ ما من هذا العالم، قد يكون عاملٌ آخر، أو سائقٌ، أو موظفٌ بسيط، يكتب الآن نصًا لا يعرف أنه قد يغيّر شيئًا.

لأن الأدب الحقيقي… لا يأتي دائمًا من الأعلى، بل كثيرًا ما يصعد من الأسفل، حاملاً معه صدق الحياة، وثقل التجربة، ونبض الإنسان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z